الرئيسية / Uncategorized / نزار قباني… كل عام وأنت بخير

نزار قباني… كل عام وأنت بخير

ميسون شقير

كنت أعرف أن يوم الواحد والعشرين من شهر آذار، هو مزيج من كل ما احتفت به الحياة بما امتلكت من حياة، فهو أول أيام الربيع، لذا هو عيد للأرض، الأم الأولى، وهو اليوم الذي تحتفل الأشجار فيه بنفسها كآلهة للخصب والجمال، وكسفيرة للسماء على الأرض.

وهو أيضا يوم الأم في عالمنا العربي اليتيم، يوم هذه القدرة التي تحملها المرأة في تركيبتها، مثلها مثل كل تلك الأشجار، وهو أيضا يوم الوجع الذي لا يستطيع أن يتحمله هذا الكائن القوي، الضعيف، القادر، العاجز، هذه الأم السورية المتعددة، المتجددة، المنقرضة، المحروقة، المزهرة، حين تدفن قلبها وكيانها وطعم حياتها في حفرة سيرقد فيها ولدها وسعادتها إلى الأبد.

وهو أيضا يوم النيروز، يوم النار التي تحتفل فيها الجبال مع القلوب بالانتصار القديم، قدم الإنسان، الانتصار على الطاغية القوي وظلمه، هو نيروز الحياة يزهر فوق جباه الأحرار قبل أن يزهر في العيون.

لكن الذي لم أتوقعه وأنا أفتح حاسوبي القديم، في يوم الواحد والعشرين من شهر آذار، وأحاول كعادتي طلب المعونة من صديقنا السيد غوغل، أن يدلف إلى روحي كل هذا الياسمين دفعة واحدة، وأن تطل أشجار التفاح والنارنج من حاسوبي بكامل أغصانها، وأن ترشّ وجهي مياه البحرة في قلب البيت الدمشقي منعشة وطازجة.

فأنا لم أكن أتوقع أبدا أن يحتفي السيد غوغل، وللمرة الأولى، بتاريخ ميلاد الشاعر السوري نزار قباني. وأن يذكرنا، ويذكر العالم، بالغزالات التي كانت ترعى في عشب قصائده، الغزالات التي كانت تركض بين الكلمات ومعناها، وبين قلوب العاشقين والعاشقات الذين كانوا يخبرونها بقدرتها على النبض مرة ثانية.

نزار قباني، الطفل الذي ولد في 21 آذار من عام 1921، لأسرة من أسر دمشق العريقة، الطفل الذي احتفت به عريشة الدار وعصافيرها قبل أن تحتفي به النسوة بالزغاريد، الطفل الذي سمع صوت العصافير قبل أن يسمع صوت صراخه، والذي شم رائحة الياسمين الدمشقي قبل حتى أن يشم رائحة ثدي أمه. نزار، الطفل الذي نما في ظل حارات دمشق الضيقة وشرب رطوبتها وسحرها، ولعب مع صبيان الحي كل يوم، ولم يعد يوما بدون كاحل مدمّى وقلب معطوب.

نزار الطفل، الذي هجر طفولته، حين انتحرت أخته التي أرغمت على الزواج من رجل لا تحبه، والذي بقي صوتها الرافض للظلم يرن في كل قصائده حتى مات. نزار الشاب، الذي تعلق بالشعر مثل تعلقه بالحياة، والذي احتفى بالحب كما لم يحتف شاعر في عصره، والذي قدسه كما لم يقدسه شاعر أيضا. نزار الصوت، الذي حاول تحرير المرأة إلا من جمالها وأنوثتها، وحاول فضح هذا المجتمع الذي يقتل كل جمال يسكنه. نزار الشاعر، الذي بسرعة غريبة، دخل كل بيت، والذي فرض نفسه على الأوساط الثقافية العربية والعالمية وهو يقول شعرا صافيا كالماء يسقسق في زوايا الروح.

نزار الشاب العربي، الذي فضح فساد أنظمة القمع العربية، من خلال قصائد لامست شعور المواطن العربي المقهور والعاجز، وجعلته يكررها ويحفظها بالرغم من أنها لم تكن فنيا على سوية قصائد الجمال والحب والمرأة التي كتبها.

نزار الرجل، الذي عادت الحياة وكسرت الأزرق في روحه حين خطفت منه ولده الأكبر، والتي أخذت منه باقي ألوانه حين اغتالت له السياسات العربية بلقيس روحه، وجعلته ينزف رحيلها بأجمل ما كتب.

نزار شاعر الحب العربي، قتل العرب فيه الحب فهجرهم. نزار شاعر الحرية السوري، قتل نظام القمع السوري الحرية فيه فهجره. نزار الرجل الذي دخل العالمية من باب القصيدة المزخرف، من بابها الدمشقي الكبير، والذي كان يدق على كل القلوب حين كان يقرعها بكل ذاك الشغف وكل تلك القوة والثقة.

مات نزار بعيدا عن دمشق التي سكنت كل مفاصل قصائده، مات غريبا، عن طعم مشمشها، وعن طعم شمسها في الحارات، مات منفيا من قبل طغاة الحياة، لكنه ترك شعرا سيعيش ألف حياة جديدة، مع كل قلب عاشق ضعيف، مع كل وردة جوري دمشقية تزهر، ومع كل ثائر يصرخ للحرية.

نزار قباني، في الواحد والعشرين من كل آذار، في يوم الربيع والأم والنيروز والشعر، كل عام وأنت والحب والشعر والحرية، وما تبقى منك فينا بألف خير.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *