الرئيسية / رأي / فكروا بهم…

فكروا بهم…

ثائر الزعزوع

في أقبية مظلمة تحت الأرض، في أماكن بائسة وموحشة، يعيشون مع الخوف والجوع والموت اليومي. أجسادهم باردة، أرواحهم معلقة ببقايا أمل، عقولهم لا تكف لحظة عن التفكير، لكنهم على أي حال لا يعلمون ماذا يحدث خارجاً، لا يسمعون سوى أصوات عذابهم الذي يتكرر منذ سنوات. يعلمون أن الكرة الأرضية ما زالت تدور كما كانت من قبل، يعرفون أيضاً أن ثمة ليلاً ونهاراً، وربما يتخيلون حين يطبقون أعينهم شكل الشمس، ربما يحلمون بحرارتها، ما أدرانا. قد يكونون الآن نياماً، أو ربما استيقظوا كي تنهمر على أجسادهم السياط، ربما استيقظوا ليسلب منهم الوحوش حفنة أخرى من إنسانيتهم، ربما يسوقونهم الآن إلى الذبح، ما أدرانا. كثيرون منا لم يعودوا قادرين على التفكير بهم، كثيرون منا انشغلوا بحياتهم، قد يكتبون بين الحين والحين عبارة ما، قد يضعون صورة تذكر بهم، لكنهم هناك لا يعلمون، ربما لا يعلمون أن سوريا التي يعرفونها باتت مزقاً، ربما لم يسمعوا لا بداعش ولا بالنصرة ولا بسواها، ربما لا يعرفون أن حلم الشعب السوري واحد بات بعيداً جداً…

تقول المنظمات إن أعدادهم تقدر بمئة ألف، ربما أكثر، ما أدرانا. بعضهم مر على وجوده تحت الأرض خمس سنوات، أحدهم ربما شارك بمظاهرة واحدة. الآخر، ذاك القابع في الزاوية محطماً، طبيب أسعف جريحاً، وذاك الذي يسند رأسه إلى الجدار محامٍ طالب بالعدل.

قال لنا السجان في أول يوم: سنسلخ جلودكم

قال لنا المحقق في الليلة التالية: سنعلقكم من رموش عيونكم.

قال لنا آخر في ليلة أخرى: سنحطمكم.

ربما لم نصدقهم وقتها، لكنكم جميعاً رأيتم صورنا، رأيتم وجوهنا وقلوبنا، رأيت ألمنا وسمعتم أنيننا الذي يتكرر كل دقيقة وكل ثانية. لم نضعف، لم نستسلم، لكننا أيضاً لم نخطئْ.

وهناك تحت الأرض الأخرى تصرخ امرأة: ولدي

وتصرخ أخرى: أمي

وتصرخ ثالثة: يا أخوتي

لا أحد يسمع أصواتهن، لا أحد يفاوض لأجلهن. كثيرون يلهثون وراء السلطة، يلهثون ليقتنصوا من هذه الغنيمة الدسمة المسماة ثورة، بينما الثورة تقبع تحت الأرض، تقبع في المعتقلات، خلف القضبان، حيث لا شمس ولا فنادق فاخرة، ولا قنوات فضائية، حيث لا تصريحات ولا تلميحات ولا مفاوضات. هنالك تحت الأرض، حيث لا شيء سوى الخوف…

لا يمكن أن تفهم ماذا يعني أن تصبح معتقلاً حتى تبصر ضوء الشمس بعينيك بعد شهور من العتمة. لا يمكن أن تفهم ماذا تعني الثورة ولا الحرية ولا العدالة حتى يلامس وجهك أرضاً باردة لا روح لها، ولا يمكن أن تغفر لأولئك الذين يساومون على حقك في الحياة، ولا يمكن أن تغفر لمن سلب منك حياتك، لا يمكن أن تغفر… كفاكم تنظيراً، هل جربتم كيف يموت المعتقل آلاف المرات؟

حين يفتح السجان الباب الحديدي الثقيل تتسرب أنفاس ثقيلة من الممر المشبع بسنوات الرعب والقمع والاستبداد، تستطيع وأنت معصوب العينين أن ترى وجوه أولئك الذين فنيت أجسادهم في هذه الأماكن نفسها، ولا تستطيع أن تنسى صوت السجان، لا يمكن أن تغفر..

أولئك الذين يتحدثون عن حل سياسي هل وضعوا إطلاق سراح المعتقلين أولاً؟ هل قالوا للعالم إننا لا نقبل أن نتفاوض إن لم يفتح هذا القذر جميع الأبواب؟ لماذا ركضوا ركضاً ليدخلوا في دوامته؟ لماذا ركضوا ركضاً كي يرسموا مستقبلاً لبلاد ما زال أبناؤها معتقلين؟ تباً لجميع حلول السياسيين التي تنسى المعتقلين، لن نقبل حلاً سياسياً يبقي معتقلاً في زنزانة… ولماذا نخجل أن نحمل صباحاً مساء صورهم وأسماءهم، قصصهم، حكاياتهم، وجوه أمهاتهم، وجوه أولادهم؟

سوريا التي نبحث عنها والتي نفكر فيها ما زالت تقبع في زنزانة. سوريا التي يريدون أن يرسموا مستقبلها ما زالت تقبع تحت الأرض. لا يهم شكل الدولة ولا من يحكمها، لا يهم دستورها ولا قانونها، لا يهم إن كانت تسير يميناً أو يساراً، المهم أن يخرج كل المعتقلين، وساعتها سيسقط كل طغاة الأرض.

في زنزانة واحدة، يجلس عربي سني كردي علوي درزي اسماعيلي مسيحي، ينالون العذاب نفسه كل يوم، يحلمون الحلم نفسه كل يوم، يموتون الموت نفسه كل يوم… هنالك سوريا التي تركناها، وبحثنا عن أشياء غريبة… عن أشياء لا تشبهنا.. ولا نشبهها…

سيخرجون ذات يوم، وحين ستلامس أشعة الشمس وجوههم المتعبة، سيرون ماذا فعلنا بأحلامهم، وسيقولون جميعاً: آه كم لبثنا!!

فكروا بهم وأنتم تمزقون سوريا، فكروا بهم وأنتم تقتسمون الغنائم، فكروا بهم وأنتم تفاوضون، وأنتم تتحدثون، وأنتم نائمون، وأنتم تأكلون وتشربون… فكروا بهم لأنهم هم فقط، سوريا التي نبحث عنها.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *