سالم عدلي المحمود
الدماء السورية التي سالت ولم تزل، والخراب الذي جرى عن عمد وإصرار، ويستمر.. وألوان المعاناة ومرارتها. كل ذلك وضع قناعاتنا، أو محفوظاتنا السابقة، أمام قراءة جديدة لإعادة فهم الواقع وقضاياه. فالكثير من الحكم، على سبيل المثال، وحتى العديد من مدونات الفلسفة الاجتماعية التي تناقلتها الألسن جيلاً بعض جيل، وعلقتها ذاكرة الإنسان، نجدها الآن، وقد صار لها طعماً آخر! فما إن يمر حدث ما، يشابه أسباب ولادة تلك المحفوظات، أو وجودها في الأصل، نراها تندلق هكذا، على نحو عفوي، فائرة من بئر الذاكرة، بزخم قوي، وحضور مهيمن، تفرض علينا استجلاء فحواها من جديد.. وحين نفعل عبر قراءة متأنية، نكتشف أنَّ ما في لبَّها من معان، هو أعمق بكثير مما كنا نتصور، وأنَّ في ثناياها دلالات هي أبعد مدى مما كان يتراءى لنا.. فأنت، وأنا، والآخرون، قرأنا الكثير عن مظالم الديكتاتورية، ونقائص الاستبداد وطبائعه، وأخذنا عيِّنات من تاريخ العالم، وتاريخنا، بالتأكيد، جزء منه، فكانت صورته السلبية، راسخة في أذهاننا.. ولكن، ومع استمرار الزمن، وبعده عنا، أخذت ألوان تلك الصورة، تبهت، وربما صار معها وجه الديكتاتور عادياً أو مقبولاً وفي أحيان ما، قد يجده بعضهم لطيفاً.. بيد أنَّ الحاضر -وليكن الحاضر السوري أنموذجاً له- الذي يقبل علينا بوقائعه الجديدة، فارضاً علينا، قراءة جديدة لتلمس ميزاته وخصاله، وإجراء مقارنة سريعة ما بين الأمس القديم المتخلف، واليوم الجديد المتحضر، أو هكذا يفترض، بحكم الزمن، ومنطق الحياة، يفاجئنا ببشاعته غير المسبوقة..! فالتطور، كما يبدو، لا يأتي على الأشياء الجميلة فحسب، بل على القبيحة أيضاً..!
في ضوء ما تقدَّم، دعوني آخذ نموذجاً من الأمثال المعروفة، يقول المثل:
«صديقُكَ من صَدَقَكَ لا مَنْ صَدَّقَك..» ولا أظن أن المثل بحاجة إلى شرح أو زيادة في الإيضاح فجوهره ألا يغش الصديق صديقه مستغلاً رغبة ما لديه لتحقيق مصالح خاصة.. وهذا أمر طبيعي وبدهي أيضاً..! من هنا أريد الدخول إلى المشهد الفعلي لما فعلته كل من روسيا وإيران “صديقتا” النظام السوري، ورؤية كيفية فعل المثل المعني.. لا شك بأن الدولتين المعنيتين تملكان، وعلى الصعد كافة، إمكانات هائلة تزيد كثيراً عما تملكه سورية الدولة الصغيرة نسبياً، وخصوصاً في مجال المعلومات عن الوضع الدولي، وعن سوريا “الصديقة” بالذات، وعن أطراف الصراع فيها وأسبابه القريبة والبعيدة، وبالطبع عما يمكن توقعه من مآل الأحداث ومجرياتها ووفق النحو الذي سارت عليه..
إن نظرة إلى ما آلت إليه الأوضاع السورية من ضعف وتراجع وخراب متعمد على الأصعدة كافة، منذ الفيتو الروسي الأول الذي وقف في وجه المبادرة العربية الأولى المدعومة من الأمم المتحدة، ومنذ إعلان «آيات الله» بأنهم لن يتركوا سورية تسقط، فأعطوا أوامرهم إلى المليشيات الشيعية اللبنانية والعراقية وكذلك الإيرانية، والكل إيراني بالطبع. أقول إن ما آلت إليه الأوضاع السورية، يحتاج إلى عقود طويلة لإعادتها كما كانت، ناهيكم بمئات الألوف من القتلى والجرحى نساء وأطفالاً من المدنيين الآمنين، وكذلك ملايين المهجرين هؤلاء الذين لا أحد في الدنيا قادر على تضميد جراحهم ومحو آلامهم. إضافة إلى ما حدث من شروخ في النسيج الاجتماعي المتماسك نسبياً. وليس أقل من ذلك أيضاً هجرة الأدمغة والخبرات التي كان المجتمع السوري يشكو منها في الأصل. أضف إلى ذلك تدمير أو نقل المؤسسات الاقتصادية الهائلة، ولعل الأسوأ من ذلك إحالة المجتمع كله على التقاعد بسبب إيصاله إلى شيخوخة مبكرة عبر تصفية اليافعين والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين السادسة عشرة والأربعين. ما أريد قوله:
إنَّ فعل الروس والإيرانيين قد جاء، في النتيجة النهائية، على عكس محتوى المثل أعلاه، فما وصلت إليه سورية هو العجز التام المديد.. فسورية اليوم خارج أي تأثير، لا فيما يخص المنطقة بل فيما يخص مصالحها الآنية والاستراتيجية. وإذا كانت المهمة الأولى أمام النظام السوري المتوارث منذ نحو خمسين عاماً هي استرداد هضبة الجولان فهذه المهمة اليوم بعيدة عن التحقق بعد السماء عن الأرض فما بالكم بدور سورية العربي أو الإقليمي الحاضر سابقاً أبداً!
من هنا نخلص، ووفق المثل أعلاه، إلى أن الروس والإيرانيين قد استغلوا النظام السوري أبشع استغلال، بمعرفة رأس نظامه وأعوانه، وتاجروا بالدم السوري لحل مشاكلهما الدولية العالقة، ولزيادة نفوذهما في المنطقة، بل إنهم لبوا رغبة إسرائيل، الدولة الأكثر تضرراً من وجود سوري قوي وفاعل، لا كدولة لا تزال تحتل جزءاً مهماً من الأراضي السورية فحسب، بل كدولة في واقع تركيبتها وصياغتها التاريخية ترفض الوجود الكلي للدولة الصهيونية أما الأمر الثاني: فهو تحقيق غايتي الدولتين المذكورتين روسيا وإيران بتحقيق وجودهما ونفوذهما الدائم والمستمر. إذ كلما كانت سورية، ودول المنطقة عموماً ضعيفة بقيت الحاجة الماسة لهاتين الدولتين.. اللتين استطاعتا التغلغل داخل ذهنية النظام ونفسيته، فأمنتا استمرار حكمه ومصالحه، وبالطبع هما بذلك قد أمنتا على وجودهما الدائم والقوي، وهذا لعمري ما يجعلهما أشد خطراً من أي عدو ظاهر.. أقول هذا، وأنا أمعن النظر الحزين إلى الوضع السوري، وما آل إليه، وأخلص إلى نتيجة واحدة هي أن «هؤلاء الأصدقاء» لم يصدقوا مطلقاً، بل لقد مارسوا عداء حقيقياً ضد الشعب السوري، وعلى نحو سافر..!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث