عبد القادر عبد اللي
اتخذت
تركيا موقفاً مبكراً جداً مناهضاً لحكومة المالكي، وأيدت
كتلة علاوي في العراق، قبل الانتخابات السابقة، وأثناء شهر العسل السوري التركي.
وعندما كوّع النظام السوري، وانقلب على علاوي بعد فوزه حينئذ مؤيداً المالكي
بأوامر الولي الفقيه، صمتت تركيا… وحول موقف تركيا من الحكومة العراقية يؤكد
الكاتب جنكيز تشاندار في كتابه “قطار الرافدين السريع” ونقلاً عن أحمد
داوود أوغلو بأن قائمة العراقية التي يرأسها علاوي تشكلت في بيت وزير الخارجية
التركية أحمد داوود أوغلو شخصياً…وهذا يدل على بذل الحكومة التركية جهوداً كبرى
في عملية إسقاط حكومة المالكي ليحل محلها حكومة أكثر استقلالية أو أقرب إليها.
صمت
تركيا لم يُجد معها نفعاً، فكل يوم كان هناك في العراق من يهاجمها، ويستخدم
الاصطلاحات الموروثة من زمن الشاهنشاه إسماعيل الصفوي ضد الإمبراطورية العثمانية..
صحيح أن تركيا لم تلجأ إلى التصعيد، ولكن ممارستها وإعلامها المقرب من الحكومة يدل
على استمرار معارضتها لحكومة المالكي، وتأييدها لشخصيات أقل ارتباطاً بإيران…
وتجلى هذا الأمر بمنحها طارق الهاشمي حق اللجوء…
كانت
الأحداث السورية عاملاً إضافياً بتعميق الهوة بين المالكي وحزب العدالة والتنمية
الحاكم في تركيا، فقد أفرزت القضية اصطفافاً متعاكساً. وهذا ما جعل الحكومة
التركية تؤيد الحراك الشعبي العراقي، وتغطيه في وسائل إعلامها، وبموازاة ذلك تشكّل
الموقف السياسي التركي الداخلي من الحكومة العراقية كما هو الحال من النظام
السوري. فالأحزاب المعارضة أيدت المالكي والإمام الفقيه، والحكومة التركية أيدت
الحراك الشعبي…
مع
اندلاع الأحداث العراقية، وسقوط البصرة، قدمت وسائل الإعلام العربية صورة ملتبسة
لما يجري في العراق سرعان ما تبلورت في مشهد ملخصه: “هنالك ثوار شرفاء من
أبناء القبائل، وبعثيون، وداعش يقاتلون نظام المالكي.” حتى إن الإعلام
السعودي بلور اصطلاح: “قوات المالكي” على غرار اصطلاح: “قوات
الأسد”..
الأمر
يختلف كثيراً من شرفة تركيا، فالإعلام التركي اختار منذ البداية اصطلاح “داعش”
فقط متجاهلاً بقية القوى المقاتلة، وتنشر في بعض الأحيان على استحياء تصريحات بعض
المعارضين العراقيين بأن داعش ليست وحدها من يقاتل، بل هناك آخرون…
لعل
السبب يكمن باستهداف الرعايا الأتراك واختطاف سائقين وعمالاً أتراك إضافة إلى
موظفي القنصلية التركية بمن فيهم القنصل وعائلاتهم مع بداية انفجار الأحداث. وترددت
أنباء عن طلب داعش فدية كبيرة لقاء إطلاق سراح المختطفين. ولكن هل يمكن أن يكون
الاختطاف وحده سبب هذا الموقف؟ ثم هناك سؤال منطقي يُطرح: لو كانت لبقية القوى
تأثير حقيقي أما كانت تستطيع التوسط للإفراج عن المختطفين الأتراك؟
في
سياق “متصل/ منفصل” أعلنت قيادة الأركان التركية أنها أوقفت 1400
مواطناً سورياً حاولوا عبور الحدود التركية بطريقة غير شرعية منذ بداية الشهر
الحالي حتى التاسع عشر منه. وتتزايد يومياً عمليات إحباط التهريب والتزوير، وتهديد
داعش لتركيا، وإحباط عمليات إرهابية حاولت داعش تنفيذها داخل الأراضي التركية
إضافة إلى بعض الصدامات مع عناصر من هذا التنظيم عند محاولة إيقافهم لتفتيشهم.
هل
دفعت تركيا ثمناً باهظاً بموقفها المؤيد للمعارضة السورية؟ وهل لعب هذا الثمن
الباهظ باتخاذ تركيا موقفاً مختلفاً عن الجميع بنقلها صور المجازر التي ترتكبها
داعش في العراق؟ الأكثر من هذا، فإن هجوم داعش على المناطق التركمانية وخاصة تلعفر
لعب دوراً سلبياً لدى الرأي العام التركي مما يجعل من المستحيل على الحكومة التركية
أن تظهر أي تعاطف مع المجموعات المسلحة العراقية.
ثمة
مثل مشترك في الثقافتين العربية والتركية يقول: “من يحترق فمه بالحليب ينفخ
على اللبن”. تطور الأحداث في سورية أحرق فم الحكومة التركية، ولعل هذا ما
جعلها تنفخ على اللبن عند اندلاع الأحداث الدموية في العراق. فكثير من تركمان
العراق لهم امتدادات وأقرباء في تركيا، وإذا كان هدف نزوحهم الحالي هو كردستان
العراق، فليس مستبعداً أن تكون تركيا وجهتهم التالية…
من
جهة أخرى، الجميع يتحدث عن انعكاسات إيجابية لما يجري في العراق على القضية السورية،
ولكن الحياة لا تحوي إيجابيات مطلقة وسلبيات مطلقة. إن احتمال هجرة مئات ألوف
التركمان من شمال العراق إلى تركيا سيزيد العبء على هذا البلد من جهة، ويزيد العبء
على اللاجئين السوريين من جهة أخرى. ففرص العمل الشحيحة في تركيا، والتي لا تسمن
ولا تغني من جوع في أغلب الأحيان ستشح أكثر، وتكبر معاناة السوريين أكثر، وإذا كان
رقم اللاجئين السوريين في تركيا قد تجاوز المليون بحسب تصريح نائب رئيس الحكومة
التركية، فإن هذا الرقم لا يتضمن الذين دخلوا بطريقة غير شرعية دون جوازات سفر،
وهؤلاء ليسوا قلة، ويمكن أن يشكلوا إضافة كبيرة في العدد الإجمالي..
يمكن
أن أكون في رؤيتي هذه خائفاً كالحكومة التركية، وقد احترق فمي بالحليب وبت أنفخ
على اللبن… ولكن لا ضرر من النفخ على اللبن، ماذا لو ظهر أنه حليب ساخن؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث