محمد العبد الله
ساهمت التغيرات التي طرأت على النسيج الاجتماعي والاقتصادي للعائلة السورية خلال سنوات الحرب التي عاشتها، بتعزيز فكرة الزواج المبكر، أو ما يعرف بـ “زواج القاصرات”. وكعادة الحروب، تدفع النساء دائماً الفاتورة الأكبر لها، بمقتل الأزواج حيناً، أو بتزويج الفتيات القاصرات في أحيان أخرى. وقد عززت مفرزات الحرب السورية تلك الظاهرة، سواءً نتيجة تدهور الوضع الاقتصادي للمواطن السوري، وسط عجز تام لأغلب الأهالي عن تأمين مصادر للدخل، وغياب التعليم، فضلاً عن فقدان سلطة القانون وانتشار المحاكم الشرعية والتي استندت في إصدار أحكامها إلى مراجع متباينة.
وحول انتشار ظاهرة زواج القاصرات بمناطق المعارضة، تحدث رئيس تجمع المحامين الأحرار “غزوان قرنفل”، لـ “صدى الشام”، قائلاً: “انتشرت هذه الظاهرة عبر الإغراء المادي واستغلال ظروف الأسر التي لم يعد لديها مصادر دخل، أو عبر الإكراه من خلال استغلال السلطة الناجمة عن حمل السلاح في فرض واقع معين على الأسر. حيث لجأ العديد من أفراد الفصائل المسلحة إلى المحاكم الشرعية لتزويجهم بفتاة حتى لو كانت قاصر، وذلك اعتمادا على أن أغلب المحاكم الشرعية هي من صناعة الكتائب المسلحة المتواجدة بمناطق المعارضة، وبالتالي فهي تخضع في قراراتها لسلطة تلك الكتائب، وقد يكون أي قرار صادر عن تلك المحاكم مفروضاً بقوة السلاح، إضافةً لعدم وجود مرجعية قانونية تعتمدها تلك المحاكم بشكل قطعي، فهي تستند بأحكامها، في الكثير من الحالات، على اجتهاد شخصي من القاضي الشرعي. علماً أن أغلب القضاة المتواجدين في المحاكم الشرعية هم مجرد مدرسين سابقين لمادة التربية الإسلامية أو أئمة مساجد، ويصدرون قرارات شرعية وفق أهوائهم ومصالحهم الشخصية، أو نتيجة ضغوط يتعرضون لها”.
قانون الأحوال الشخصية في القانون السوري لم يكن أفضل من قوانين المحاكم الشرعية، ويخلو من نص واضح يمنع زواج القاصرات تحت سن الثامنة عشر.
وحول معالجة تلك الظاهرة من الناحية القانونية، يرى قرنفل أن “قانون الأحوال الشخصية في القانون السوري لم يكن أفضل من قوانين المحاكم الشرعية، وكان قاصراً تجاه معالجة ظاهرة زواج القاصرات. فقاضي الأحوال الشخصية يقوم بتزويج الفتاة بمجرد أن مظهرها الخارجي يوحي أنها وصلت سن البلوغ، وذلك لعدم وجود نص قانوني ضمن الأحوال الشخصية يحدد صراحة أن سن الزواج يجب أن لا يقل عن الثامنة عشر فما فوق، وإنما اقتصر النص على أنه يكفي أن تكون الفتاة بالغة، أي ناضجة جسدياً، حتى يتم تزويجها دون أن يشترط كونها راشدة”.
وقد انتشرت ظاهرة زواج القاصرات بشكل واضح وبأرقام مخيفة، في مخيمات اللجوء، وتحولت الكثير من الفتيات القاصرات اللواتي يعشن في المخيمات إلى سلعة تُباع، وذلك بسبب الفقر الذي لحق بالعائلات المقيمة في تلك المخيمات. مما اضطر رب الأسرة أحيانا، إلى تزويج ابنته القاصر لأي شخص يتقدم لها حتى ولو بمهر بسيط، فضلاً عن أن الكثير من مخيمات اللاجئين السوريين تفتقر إلى المحاكم الشرعية، علماً أن الكثير من الأهالي يفضلون تزويج بناتهم عبر المحاكم الشرعية لضمان حقهن. إلا أن هنالك العديد من الفتيات اللواتي تزوجن عن طريق قراءة الفاتحة وبوجود شيخ يقر الزواج دون تسجيل رسمي في المحكمة الشرعية، وهذا ما جعل العديد من الفتيات ضحايا لزواج فاشل ينتهي سريعا دون أي حقوق للزوجة المطلقة.
تتضاعف معاناة الفتيات القاصرات في مخيمات اللجوء، إذ أن معظم حالات الزواج هناك تتم دون تثبيت الزواج بشكل رسمي حتى لو عن طريق المحاكم الشرعية، وهو ما يولّد مشكلة مضاعفة تتمثل بتزويج القاصرات وحرمانهن من جميع حقوقهن
أبو محمد يعيش مع عائلته في إحدى المخيمات، تحدث لـ “صدى الشام”، بأنه زوّج ابنته، ذات الأربعة عشر عاماً قبل وجود المحكمة الشرعية في المخيم، وانتهى بها المطاف إلى الطلاق وعدم تثبيت العقد لغاية الآن. ولكنه “تفادى ذلك لاحقاً”، على حد قوله، عندما زّوج ابنه من فتاة تبلغ “خمسة عشر عاماً”، حين حرص على أن تتم معاملات الزواج في المحكمة، التي لم ترفض هذه الزواج طبعا، ضماناً لحق الزوجة، مؤكداً أن “المحكمة الشرعية خير لهم”.
وفي المقابل برزت تلك الظاهرة أيضا بين القاصرات السوريات في تركيا. وحول ذلك يقول أحد المحامين العاملين في تركيا، لـ “صدى الشام”: “إن بعض القاصرات السوريات في تركيا، ونتيجة تدني وضعهم المعيشي، اضطروا للزواج من رجال أتراك متزوجين أصلاً، وذلك لمساعدة أسرهم في تأمين أيجار المنزل، ولكن دون أن يتم تثبيت عقد الزواج في المحكمة التركية، لأن القانون في تركيا لا يقر الزواج الثاني ويمنع التعدد ويعاقب الزوجة الثانية والزوج التركي بالحبس لمدة ستة أشهر، وهذا الأمر لا يعرفه معظم السوريين المقيمين في تركيا”.
وحول الحلول لظاهرة زواج القاصرات يقول المحامي “قرنفل” إنه “يجب على أولياء الأمور أن يمتلكوا إرادة قوية، وأن يكونوا قادرين على رفض تزويج بناتهم القاصرات، حتى لو تم إرغامهم بالقوة، كما فعلت عدد من الفصائل المتشددة في بعض المناطق. فضلاً عن أنه يجب على منظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية أن تسلط الضوء على هذه الظاهرة. على الرغم من وجود حملات توعية عديدة أقيمت بهذا الشأن، لكنها لم تكن كافية”.
ولكن سواء كانت عملية الزواج هذه تتم بشكل مباشر بين العريس والعائلة أو عبر المحاكم الشرعية المتواجدة في المناطق السورية ومخيمات اللجوء، فإننا أمام ظاهرة تناقض أبسط مبادئ الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان، ويجب العمل بجهد أكبر لاستئصالها أو التخفيف منها قدر الإمكان.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث