عمّار الأحمد
انطلقت الثورات العربية بسبب الانهيار الكامل للوضع
الاقتصادي للأكثرية الفقيرة، وفي لحظة تاريخية لم يعد بمقدور الشعب الاستمرار في
التحمُّل والخضوع؛ وأي مدقق لأماكن الثورة سيجدها ممركزة بالمناطق الأكثر تهميشاً
من تونس على بقية البلاد العربية، وإن التحقت بها فئات شبابية وسياسية ومجتمعية من
مناطق أخرى، وفي نفس المناطق المفقرة.
هذا الثورات لم تنطلق بقيادات معروفة مسبقاً، وسبب
ذلك تدمير الأنظمة المستبدة لأية إمكانية في ذلك؛ وبالتالي جاءت الثورات على شكل
تفجر مجتمعي عام وكبير، ما أن بدأ بمنطقة حتى عمّ المدن كافة، وما أن ينتهي بدولة
حتى يتأهب للتفجر بدولة أخرى.
طبعاً ليست القضية “عدوة مرضية” ما كما
قال إعلام الأنظمة وبعض المثقفين المفارقين للواقع، بل هي وصول السياسات
الاقتصادية الليبرالية الناهبة إلى مرحلة متقدمة، والانهيار الكامل. إذاً: هناك
وضع اقتصادي عربي عام، وهو جزء من أزمة عالمية بدأت بأمريكا عام 2008 ولا تزال
مستمرة وتتفجر في كل أنحاء العالم، بما فيه أوروبا حيث هناك احتجاجات كبيرة في كل
من اليونان وإسبانيا والبرتغال وسواها.
الثورات العربية هذه، متأثرة بالشرط الذي توجد فيه.
حيث الإسلام السياسي تصاعد منذ نهاية السبعينيات وبقي كذلك بتحالف غير مباشر مع
أنظمة الحكم؛ فتنظيم الإخوان المسلمين في مجلس النواب المصري وفي الأردن كذلك، وهم
موجودون في اليمن كذلك. حين اندلعت الثورات لم ينضموا إليها مباشرة، ولاحقاً
انضموا إليها، مستغلين الدين ووعي الناس الذي همشته الأنظمة من أجل التسلط على
الثورات.
وهنا بدأ يتعمق الإشكال الطائفي في كافة الدول التي
حدثت فيها الثورات، سواء الناجحة منها أو المتعثرة أو التي ستفشل؛ الإخوان
المسلمون ليس لديهم مشروع لمشكلات الناس وأوضاعهم الكارثية، ولا يثقون بالشعب من
أصله؛ فهم متصالحون مع أمريكا بصفة خاصة ومع النظام الرأسمالي وأزماته هي سبب هذه
الثورات، وبالتالي لا يمتلكون حلولاً لمشكلات الفقر والعمل والتعليم والطبابة
والسكن، وبما يخص الديمقراطية فهم لا يعتمدونها بل الشورى هي معتمدهم، ولكنهم
يضطرون إلى ممارستها مضطرين.
ولا يفوتنا هنا أن أخوان مصر رفضوا حتى إشراك
السلفيين في الحكم حينما كانوا سلطة، وحاولوا الاستئثار بها فرادى، مما جعل النظام
القديم يعيد تشكيل تحالفاته، ويقوم بالانقلاب والاستيلاء على السلطة، وكان ذلك
بفعل سياسات الأخوان الرديئة على كافة المستويات؛ الاقتصادية والسياسية والتعليمية
والثقافية وحتى بما يخص الموقف من الدستور وإشكالية العلاقة بين الدستور والشريعة.
من الخطأ التطابق بين الأسلمة وبين الإسلام وبين
أفراد الإسلام السياسي وبين المؤمنين بالإسلام، حتى الفرد المنضوي في الحزب
الطائفي يجب أن نميز بين موقفه السياسي وبين إيمانه الديني. أخذ هذه القضية
بالاعتبار يوضح التناقض بين الشعب، المؤمن وغير المؤمن وبين التنظيمات السياسية
الطائفية، ويوضح رفض الشعب لهذه المصادرة، أي لحقه في الإيمان كما يشاء. الناس
تبحث عن فسحة أكبر من الحرية ومن العمل ومن الحياة الأفضل، وتريد الخلاص من
الشمولية السياسية، لا أن تدخل بشمولية طائفية تحاسب الناس على كيفية ممارسة
حياتهم اليومية داخل شققهم السكنية.
في سوريا تأخر الأخوان في الدخول بالثورة وحالما
دخلوا دخلوا وهم يتبنون نظرية السلاح أو الدفع بتركيا لعقد صفقة مع النظام كي
يصلوا إلى الحكم. ولكن خبث النظام وضعف
تواجدهم في سوريا منعهم من أن يشكلوا كتلة وازنة، ولكنهم سيطروا على الإعلام عبر
الجزيرة، وبعض التنسيقيات الإعلامية الرئيسية. تفجر الثورة السريع دفع السلفية
المحلية لتتصدر المشهد في كثير من المناطق وهي سلفية دينية ولكنها وقد وجدت فرصتها
في الثورة فقد حاولت لعب دور رئيسي فيها؛ أيضاً هي لم تكن في وارد الثورة.
الجماعات الجهادية لم تظهر أصلاً إلا أخر عام 2011 وداعش بعد ذلك بزمن طويل وأغلب
قيادتها الرئيسية أخرجهم النظام من سجونه، أو أطلقهم نوري المالكي في العراق من
السجون لتشويه الثورة في سوريا والتخفيف عن النظام السوري، الذي يتعرّض لثورة
شعبية عارمة كادت تسقطه في 2012، وبتعزز دور الجهادية تراجعت الثورة بمعناها الشعبي،
وسيطر الجانب العسكري عليها وبذلك أنقذ النظام نفسه؛ ففي الحرب مخرجه، ومع ذلك
ولولا الدعم الإيراني وحزب الله وروسيا لسقط في عام 2012؛ هو الآن ليس قوياً، ولكن
استطاع بالحرب يحقق توازناً بين الثورة وبينه.
إذاً لا علاقة الإسلام السياسي بتنويعاتها بالثورات،
ولكن غياب أحزاب سياسية ونقابات مستقلة واتحادات فلاحية وتنظيمات طلابية تقود
الثورات وتحدد أهدافها، وتعمقها بما هي ثورات شعبية ووطنية، هو ما سمح بدخول
الإسلام السياسي والجهادي والسلفي؛ حيث يعمل كتنظيمات منضبطة ومدعومة من تركيا
ودول الخليج.
هل هذا يعني أن الثورة الشعبية انتهت إلى غير رجعة؟
وأصبح الإسلام السياسي هو المتحكم فيها الآن ولاحقاً!.
يقول الواقع أن الإسلام السياسي يقوى بالحرب، وبسبب
المعارك ويتراجع بتراجعها، ولذلك ليس من مصلحة للنظام ولا هذه القوى أن تتوقف
الحرب. الحرب هي ما يسمح لها بالتمدد والسيطرة على الشعب؛ وبالتالي هم حاولوا فرض
سلطتهم حالما هيمنوا على البلدات والأحياء، وفي حالة داعش فهي لم تحارب النظام،
وهناك معلومات تقول إن كتائب معينة في غوطة دمشق وفي مناطق أخرى لا تشارك بالحرب،
وتهيئ نفسها لما بعد إسقاط النظام. أي هم يريدون اقتناص الفرصة والقفز إلى السلطة
حالما يُسقط الشعب الثورة. وقد أصبح معلوماً أن كافة المناطق المحررة في سوريا
حررها الشعب، ولكن التنظيمات الجهادية استولت عليها.
نريد القول إن من السهل حرف الثورات عن تحقيق
أهدافها، ما لم تتشكل قيادات ثورية وشعبية ووطنية تمثلها؛ الأنظمة منعت تشكلها
لأنها من قبل شجعت الفكر الديني، ولاحقاً أغرقتها بالجهادية وبالسلاح، وبالتالي
الثورات العربية ستعانى من هذا الإشكال الطائفي بشكل كبير. عدم وجود أي مشروع لدى
التيار الطائفي سوى مصادرة الدين، وفشلهم في كل من مصر وغيرها، يبين ضرورة إنهاء
وجودهم السياسي في الثورات وتحرير الدين والثورات منهم. تأجيل ذلك سيجعل الثورات
عرضة للانحراف والتبعية للخارج والتشوه الكبير. الدين ليس ضد الثورات ولا الثورات
ضد الدين؛ وهما يكملان بعضهما، فللدين شؤون الإيمان وللثورات شؤون التغيير
المجتمعي على تنوع مستوياته.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث