طريف
العتيق
تُسبّب
المقاربات السطحيّة في معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية المختلفة
لأيِّ مجتمع، تسبب دوراناً في حلقة مفرغة تستنزف الجهود ولا تراكمها، إذ يشعر
المصلحون الاجتماعيون والمثقّفون وأصحاب الرؤى التجديدية بـ”عقم
التغيير”، وهي تلك الحالة التي يرون أنفسهم بها، يعملون كثيرًا ولا يلاقون
ثمرة حقيقية.
بعبارة أخرى، إنهم يبذلون جهدًا تغيريًا
وإصلاحيًا هائلًا، في مقابل تحسُّنات طفيفة وسطحية في معظم الأحيان، أو تحسُّنات
كبيرة لكن شكلية لا تلامس جذور المشكلة ولا تقدم لها العلاج.
هذا
الشعور يدفع البعض إلى مراجعة أطروحاتهم ومشاريعهم وأساليبهم في التغيير والإصلاح،
بحثًا عن موطن الداء، وتنقيبًا في كيفية الدواء، محاولين تحقيق أثر ما على أرض
الواقع، لكن رغم تلك المراجعات وما ينتج عنها من تحسينات هنا أو هناك على مجال
الأطروحات النظرية أو الأساليب العملية، فإنهم لا يحققون تغييرًا ملموسًا في
النتائج، بل يشعرون بأن مشاريعهم كتب عليها الفشل لسبب أو لآخر.
لا
ينتبه الكثيرون من هؤلاء المُصلحين والدُّعاة والمثقفين وأصحاب الرسالات
الاجتماعية إلى أن المشكلة في غالب الأحيان لا تكمن فيهم، ولا في أطروحاتهم
الأكاديمية، أو مخططاتهم العملية، وإنما في مَنْ كتب على مشاريعهم هذه الفشل…
أقصد في من وضعهم في تلك الدائرة المفرغة فهم فيها يدورون، ويفرغون طاقاتهم،
ويجنبونه شرّ الإصلاح والتغيير… عن نظام الحكم أتحدث!
فبعد
منع مشاريع التغيير الحقيقية من الوجود، اعتقالاً أو مصادرةً لحريّة الرأي والعمل،
وبعد تكميم الأفواه، وطرد من يشكّل كبيرَ خطرٍ، يتّجه نظام الحكم إلى الإبقاء على
بعض المثقفين والمصلحين الذين يستغلهم بشكل مزدوج، فهو يحتج بوجودهم لمنع ظهور أي
أحد آخر من جهة (هناك مشروع تغييري فلماذا سيفكّر الناس بواحدٍ آخر أو لم نشتت
الجهود)، ومن جهة أخرى فهو يفرّغ جهودهم
هذه من محتواها، ويجعلهم يدورون في حلقة مفرغة تضيع فيها الطاقات، فلا يسبب
ذلك ضررًا له، وهكذا يتحول هؤلاء من حيث لا يدرون إلى جنود يلعبون دورًا حيويًا في
إطالة عمر نظام الحكم والمدّ بأسباب استمراره.
وعندما
يغيب عن أذهاننا دور نظام الحكم في إفشال المشاريع التغييرية، نجد أنفسنا أمام
مقاربات سطحية للمشاكل المختلفة، تسبب مزيدًا من التدهور والبلاوي بدل أن تجد لها
حلًا ناجعًا.. ولنضرب على ذلك بعض الأمثلة.
توفر
مؤسسات الدولة عبر قوانينها وآلياتها في العمل، المكتوبة نصًا وتلك المتفق عليها
ضمنًا، مناخًا مناسبًا لنمو ظاهرة الرشاوى، وتفاقم الفساد المالي في مفاصلها
وهياكلها المختلفة، إذ تكاد تضع الجميع أمام خيار لا ثانٍ له، يتمثّل في دفع المال
غير القانوني (الرشاوى) لتسيير الشؤون التي يكون معظمها قانونياً! أو لتجاوز بعض
العقبات القانونية التي لا دور لها إلا أن تدفع الفرد باتجاه استخدام المال لقضاء
حاجته عند الدولة.
في
المقابل تعمم الدولة ذاتها ممثلة بوازة الأوقاف خطب الجمعة والإرشادات الدينية
للمساجد والمنابر في تحريم وتجريم ظاهرة الرشاوى، وتغليظ الخطاب على متعاطيها،
وتشديد العقوبة الدينية والآخروية عليهم!
بل
إن الدعاة والخطباء كثيرًا ما تمت برمجتهم بحيث باتوا يتصرفون (كما هو مطلوب منهم،
وكما هو متوقع) دون الحاجة إلى تلك التعميمات المباشرة أسبوعيًا.
ما
ينطبق على موضوع الرشاوى، ينطبق أيضًا على بعض المفاسد الأخلاقيّة، إذ تتجه سياسة
الدولة إلى تأخير سن الزواج عن طريق ترسيخ محاور عدة، منها بناء نظام تعليمي لا
يمكن الانفكاك منه قبل الخامسة والعشرين، لتستلم مؤسسة الجيش بعد ذلك الشاب السوري
لمدة عامين في الخدمة الإلزامية، ثم تزجُّه في سوق العمل، ليبدأ رحلته في تأسيس
ذاته، والسعي للحصول على منزل وتأمين مستلزمات الحياة اليومية، وهكذا يمكن القول
بأنه لا يمكن للشاب عموماً أن يرتبط حتى نهاية العشرين أو حتى منتصف الثلاثين!
وتفتح
سياسة الدولة الأبواب مشرعة أمام ما هبَّ ودبَّ من وسائل الإغواء وإثارة الفتن
والشهوات، وبعد ذلك تذهب لتعمم عبر منابرها ومؤسساتها التربوية محاضرات أخلاقية
حول العفاف وضبط النفس!
إن
ما ينتج عن ذلك بالضرورة، صراع نفسي مُمزِق للإنسان (وهو المقصود) يحيل الفرد إلى
كتلة مشاعر بالذنب، تجاه تلك المعايير الفاضلة التي لا يستطيع تطبيقها أو الالتزام
بها، فيعيقه ذلك الشعور بالذنب عن التفكير بأي خطأ خارج نفسه، ويكف حقيقة عن
مطالبة الآخرين (ممن يحيط به أو من موظفي ومسؤولي الدولة) بالصلاح أو التوقف عن
ممارسة الفساد، وهو الذي يعلم من نفسه ما يعلم!
من
هنا نشأ تيار (تغيير الأنفس) المعادي للثورة، والذي لا يعادي النظام بشكل مباشر،
بل يرمي باللائمة كل اللائمة على أنفسنا كأفراد، فنحن المقصرون المذنبون، التائهون،
البعيدون، الذين لا نستحق نصر الله البتّة… فكيف لله أن ينصرنا ونحن نأكل أموال
بعضنا البعض؟ وكيف له أن ينصرنا، ونحن ننهش أعراض بعض؟
هذا
الشعور الدائم والشامل بالذنب تجاه النفس، وتبرئة الآخرين هو المطلوب من سياسة
الدولة تلك، إن الإنتباه لهذه الآلية وبناء الوعي تجاهها لهو أمر مهم جدًا للبدء
في تعطيلها، ومن ثم تفكيكها، وهذا هو الأسُّ الأول الذي لا بد منه في نجاح أي عمل
تغيري أو حضاري.
وما
ينطبق على الرشاوى أو الفساد الأخلاقي ينطبق على الكثير مما نراه ونلاحظه حولنا،
ولعلنا نشير في مقال آخر إلى ظواهر أخرى لا تقل أهمية عما ذكرناه هنا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث