يقصف غرباً، ويحتفل شرقاً، ويقتل شمالاً، ويحيي
الجماهير جنوباً.
ثمة شيء خارج المدارك العقلية الإنسانية الطبيعية،
يقود هذا السلوك الأقرب فعلاً إلى الجنون المبتذل والصلف والسفاهة التي لا تحدُّها
حدود.
لا فرصة أمامه للعودة إلى الوراء، ولا حتى للتمهل
وإلتقاط الأنفاس، لذلك فهو يوغل في القفز إلى الأمام في ذات المنطق والصلافة وكل
أنواع الكذب الذي عرف عن النظام والذي ما اشتراه الشعب السوري يوماً واحداً.
الإيرانيون متورّطون في هيئة مدرسة الولي الفقيه في
الدم السوري حتى نقي العظم.
ولكن !!
الروس أيضاً في مأزق تاريخي لن ينفع في حله أو
تجاوزه كل عنجهية بوتين وقليل من العسكر والمافيات حوله.
الذي وضع الفخ للمأزق الروسي هو مشروع القرار الذي
قدّمه الفرنسيون إلى مجلس الأمن بإحالة مرتكبي العنف في سوريا إلى المحكمة الجنائية
الدولية من أي طرف كانوا، والذي أسقطه الروس بالفيتو عند التصويت.
المأزق في أن الروس لم يميزوا أو ربما تجاهلوا بكرة
إحالة كل مرتكبي العنف المسلح المفرط في سوريا سواء أكان من طرف النظام أم من طرف
المجموعات المسلحة الدخيلة على الحالة السورية بالمطلق، أو من بعض المجموعات
المسلحة السورية التي يدعي زبانية النظام أنها استخدمت العنف المفرط تجاه مدنيين
في سوريا.
روسيا باستخدامها الفيتو ضد مشروع القرار الفرنسي لا
تمنع إحالة رأس النظام السوري إلى العدالة فقط، بل هي في موقفها واستخدامها الفيتو
تقف في وجه تطبيق العدالة بالمعنى العام ضد كل الأطراف المرتكبة للعنف في سوريا.
روسيا في الفيتو الأخير ضد العدالة الإنسانية كمفهوم
وجوهر وقد استطاع الفرنسيون وضعهم في هذه
الزاوية التي تحمل في جنباتها كل رائحة المأزق.
إنه خطأ روسي، تاريخي، سياسي، وأخلاقي، إنساني أيضاً
ولا يستطيع أحد أن يجيب في روسيا عن هذا السؤال المدين والمهين: لماذا تمنعون إحقاق
العدالة الإنسانية الدولية طالما أن مشروع القرار الفرنسي يشمل جميع الأطراف
المرتكبة للعنف المسلح في سوريا.
قد يبدو الأمر غير ذي بال للبعض، بمعنى أن الروس لا
يأبهون بكل هذه الاعتبارات الأخلاقية والقانونية في سبيل ننفيذ سياساتهم في العالم.
لا أعتقد ذلك، ثمة إجماع منذ نهاية الحرب العالمية
الثانية ووضع ميثاق الأمم المتحدة ولوائح ومبادئ عمل مجلس الأمن الدولي.
الخطأ الروسي ينضوي تحت قائمة الأخطاء التي لا تمر
هكذا مرور الكرام.
والغرب سيجد الطريقة لمعاقبة الروس على هذه السقطة
التي تلغي كل مبرر وجود الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.
ولأنه حتى المافيات الكاملة في عالم الجريمة تحترم
حداً أدنى من العرف والميثاق الذي تتفق عليه.
المسألة السورية الآن، وكما كانت قبل مئة سنة في
مؤتمر باريس 1919 توضح بجلاء حجم وطبيعة الصراع الدولي على النفوذ بفارق بسيط هو
أن الولايات المتحدة الأمريكية هي اللاعب الجديد الذي لم يكن في المجموعة المتسلطة
على البشرية في بدايات القرن العشرين.
المسألة السورية ستحسم عند حسمها دولياً، كثير من
الأوضاع المحلية والعربية والإقليمية في شرق المتوسط، ولعل إقصاء نظام الملالي
القروسطي عن اللعبة السياسية الدولية المؤثرة هو من أهم ما سيؤدّي إليه أي حسم من
هذا النوع، إلا إذا غلب الحسم الداخلي على الأرض كل الاحتمالات المرتقبة.
رفيق قوشحة
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث