الرئيسية / رأي / هل هُزِمنا؟

هل هُزِمنا؟

ثائر الزعزوع

كانت حالة من الإحباط تلك التي ضربتنا طيلة يوم الثالث
من حزيران، وهو يوم العرس الديمقراطي الأسدي، حالة الإحباط التي أصابتنا لم تكن
بسبب نجاح بشار الأسد بمنصب رئيس الجمهورية، فقد كنا متأكّدين أن ذلك سيحدث، ولأننا
أصلاً نعرف نتيجة أية انتخابات تقام في هذه المنطقة من العالم المسمّاة وطناً
عربياً، وهذه حقيقة لا يختلف عليها ولا فيها اثنان.

فالعرب وعلى
امتداد تاريخهم لم ينتخبوا لا سراً ولا علناً، وكان كل شيء في حياتهم السياسية
والثقافية والاقتصادية بل وحتى الاجتماعية مُعدّاً سلفاً، ولكن ما أصابنا
بالإحباط، هو تلك الحالة من اللهاث البشري التي ملأت المشهد، الرجال والنساء الذين
تمايلوا راقصين على إيقاعات الموت السورية، الصبايا والشباب الذين عقدوا حلقات
الدبكة مبتهجين، وذلك الهيام الذي أظهروه جميعاً في عشق سيد الوطن وباني سوريا
الحديثة، ركزوا معي كثيراً على باني سوريا الحديثة، وانسوا كل ما عداها، فالأزمة
التي يمرُّ بها هؤلاء هي أزمة أخلاقية قبل كل شيء، هؤلاء مشكوك في إنسانيتهم
أصلاً، وهذا الكلام لا علاقة له بالسياسة، لا من قريب ولا من بعيد، بل بقدرتهم على
النظر وعلى المحاكمة العقلية.

فهل قاموا
بالنظر يميناً أو يساراً قبل أن يختاروا هذا الشعار أو هذا الوصف المستفز؟، وهل
فكروا ولو قليلاً في أن تسميتهم هذه ستقدّم دليلاً قاطعاً على أنهم
“بملايينهم” التي تجاوزت الأحد عشر ما هم إلا مجموعة من الحمقى الأغبياء
المسيّرين، ثم هل فكّروا لثوان فقط بأن وصفهم من قام بالدمار والتدمير بالباني ما
هي إلا سخرية، كأن تقول للأعمى يا أبا بصير!!

رأينا عبر شاشات التلفزة ملايين السوريين من مختلف المدن
والقرى، يساقون كالأغنام كي يُدلوا بأصواتهم، ولكن الأغنام لا ترقص وهي مساقة
للذبح، أما أغنامنا السورية فهي مختلفة تماماً، هي ترقص فرحاً، وهي ما زالت تشمُّ
روائح دماء أبنائها الذين قتلوا في القصف المتواصل، وتشمُّ روائح أجسادهم وهم
يتعفنون في السجون والأقبية المظلمة، لم يكونوا أقلية ولم يكونوا قلة، للأسف كنا
نحن الرافضين قلة، كنا نحن الذين لم نشارك قلة، لا يهربنَّ أحدٌ من هذه الحقيقة
المؤلمة، ولا يهربنَّ أحد من حقيقة أن بشار الأسد، سواء شئنا أم أبينا سيظلُّ
رئيساً سبعَ سنوات إضافية، لا بسبب قواته المسلحة والشبيحة والميلشيات الطائفية
التي تقف معه ولا بسبب الدعم الإيراني والروسي، ولا بسبب الصمت الدولي بل بسببنا
نحن، نحن السوريين الذين أفشلنا الثورة، وحوّلها الكثيرون منا إلى وسيلة للارتزاق
والتكسُّب، بكاء ونواح على أبواب المنظمات الدولية، وتهليل غبي ورخيص لبعض
المرتزقة الذين جاؤوا ليجاهدوا في بلدنا وبين ظهرانينا، وقد سمحنا لهم بأن يسرقوا
ثورتنا، بل وتحوّل آخرون إلى نجوم تلفزيونيين يسردون باستفاضة معاناتهم وألمهم،
وتضحياتهم في سبيل الحرية، أية حرية تلك!! كفانا ضحكاً على بعضنا البعض، كفانا
كذباً ونفاقاً، نتذكركم جميعاً وأنتم تقفون أمام باب بهجت سليمان لتعقدوا معه
اجتماعاً تناقشون فيه وضع سوريا، وتطرحوا أفكاركم العبقرية لحلِّ الأزمات، وأنتم
كنتم تعلمون أكثر منا أن بهجت سليمان هو سبب رئيس من أسباب الأزمات جميعاً، فهل
تجرأتم مرة أن تقولوا مثل هذا الكلام؟ وهل تجرأتم أن تقولوا لبثينة شعبان إن
حضورها في المشهد هو مشكلة لا حل لها، هل فعلتم ذلك؟ أنا متأكد أنكم لم تفعلوا
إذاً: اصمتوا. ودعوا الموتى يرتاحوا من أصواتكم.

روى لي مسؤول إعلامي كبير مرّة أنه التقى بواحد من أقطاب
المعارضة في مكتب الدكتور آصف (المقصود هنا هو آصف شوكت) وأن ذلك المعارض الكبير
كان يجلس على طرف كرسيه محاولاً إيصال صوته للدكتور، وبعد أن خرج المعارض قال آصف
للمسؤول الإعلامي، هذا المعارض لو عرضنا عليه منصباً كبيراً لترك المعارضة منذ زمن
طويل، المعارض الكبير اليوم هو واحد من الوجوه البارزة في معارضتننا، وهو ورغم أنه
يبلغ من الكبر عتياً إلا أنه ما زال مصراً على لعب دور “خازوق البحرة”
في كل اجتماع وكل مؤتمر وكل بيان يصدر، وهو يسافر، ويحاور، ولا يكفُّ عن الظهور
التلفزيوني وكأن لديه رغبة بأن ينافس عادل إمام، مع مثل هؤلاء لن نستطيع السير
خطوة إلى الأمام.

كتبت غداة مؤتمر جنيف في هذه الزاوية إن جنيف قد فضحنا،
وعرانا كلنا نحن السوريين نظاماً ومعارضة، وأظهرنا أمام العالم بمظهر قبيح لا ينمّ
سوى عن شعب فاشل لا يملك من أمره شيئاً (صدى الشام العدد 28) ولعل الانتخابات
الرئاسية السخيفة وفشل المعارضة السياسية التي تتسيد المشهد في تشكيل رأي عام دولي
داعم للثورة السورية، يضاف إلى هذا طبعاً فشل كبير في إعلام المعارضة في نقل صورة
عمّا يحدث في سوريا للعالم، كل هذا يضعنا نحن السوريين أمام سؤال بحجم تاريخنا
الذي لا ننفك نتغنى به، هل نحن حقاً شعب قادر على صناعة المستقبل؟ أم أننا شعب
وثني يستعذب صناعة الطغاة وتسويقهم؟ طرحت تساؤلاتي هذه مضافاً إليها عنوان مقالتي
على أحد الشباب الرائعين الذي كانوا واحداً من مُحرّكي التظاهرات وما زال مؤمناً
بالثورة رغم كل ما حدث، وقلت: يا عامر هل هُزِمنا؟ فقال بشيء من التحدّي والحماس:
لم ولن نُهزَم، لكن كل ما تراه الآن سوف تتم غربلته، سوريا بحاجة لأن تولد من
جديد، سوريا جديدة بكل شيء، لا في نظامها فقط بل وفي معارضتها أيضاً، وشدّد الشاب
الذي لم يتم الخامسة والعشرين: نحن لن نُهزَم أبداً.

شكراً عامر.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *