سما الرحبي
بالسوريين بين ماكان
وما صار، حنين إلى الماضي – ماقبل 2011- مرض العودة للحي القديم في الوعر، حي
البستان، والقصور بحمص، نواعير حماة، وإلى رائحة الرب التي تعبق بها حواري دمشق في
صباحاتها الباكرة.
الحكايا والأحاديث اليوم في جلسات الأقارب والأصدقاء داخل وخارج سوريا، عما قبل
عام 2011، يتحدثون كأن نكبة حلّت بهم، أو كأنهم ركبوا آلة الزمن إلى حقبة تاريخية
أخرى.
الأعوام الثلاثة كأنها قرون، يتذكر الناس الماضي وكأنه لم يكن، وكأن السوريين لم
يعيشوا يوماً دون حرب.. صار الماضي مستحيلاً في ذاكرتهم إلى هذا الحد.
العد للألف قبل عبور الطريق حلماً.
ماضيها بمنشورات وصور لعائلتها الصغيرة، المشتتة فهي لا تعرف أخبار أبنائها، أمجد
محاصر في الغوطة، ووسام مع الجيش في حلب، والأصغر محمد في النمسا بعد عدة محاولات
للجوء غير الشرعي، في صباها اشتهت الليمون والموز، وسعادتها كانت جهاز
“دش” مهرب من لبنان، اليوم تشتهي جواباً يريّح بالها، ينسيها قهر اليوم،
والثمن الذي تدفعه هي وبسطاء بلدها.
السوريون يعيشون
في الماضي، ويحلمون في المستقبل، متناسين اليوم وأوجاعه ربما استسلام هو أو محاولة
لرش السكر على الحياة، يغرقون في الذكريات حتى باتت حديثهم اليومي وشعلتهم
للاستمرار. أثناء تجوُّلي اليومي في صفحتي الشخصية أرى “ايفنت” ساخر عن
الفئة النقدية للخمس والعشرين ليرة سورية، وما كنت تعنيه قبلاً.
يقول منشئ الحدث :”يحكى أنه في
سوريا كان هناك عملة نقدية من فئة الليرة والخمس والعشرة، وكانت الخمس والعشرون ذات
قوة شرائية اقتصادية كبيرة حتى إن الشاب الذي يحملها يعتبر من كبار القوم، فحتى لا
ننسى لنتذكر جميعاً مفعولها السحري”
تكسي من المزه
إلى المالكي، أجرة طاولة يوم كامل في مطعم الصفصاف على طريق الربوة، خالف السير
وقدم رشوة ذهبية لشرطي المرور ب 25 ليرة .. الخ
اشترت الكون ودمشق يوماً بال 25 ليرة، حيث كانت تذهب سيران على خط “مهاجرين –
صناعة” ذهاباً وإياباً إلى أعالي قاسيون ب 10 ليرات، تجلس في حديقة
“النيربين” وبحضنها الفوشار والبسكويت بما تبقى، واصفة تلك اللحظات
بأنها أجمل سنين عمرها، أما اليوم فحدث ولا حرج فلن تكفيك أجرة لركوب حافلة نقل
عامة، أو ثمن حبة شوكولا وطنية. لابد أن يكون في جيب المواطن السوري ما لايقل عن
بضعة أصفار ليستطيع التجول في مدينته دون مفاجآت.
الحيوانات، كلب يصرخ بوجه صاحبته وهي تحاول ضرب ابنها، وآخر يسحب صديقته الكلبة من
أوتستراد إحدى الدول الأوروبية، دجاجة تعانق طفلاً صغيراً، وأنه من الممكن أن يطعم
غراب قطة أكثر من أن يصالح السوري أخاه المختلف عن رأيه.
القديمة وأغانيها من ساندي بيل، أوسكار، ومسلسلات أيام شامية، أحلام أبو الهنا .. وصور
لأدوات منقرضة من ممحاة الفراولة التي تشتهي قرطها لطيب رائحتها، والمسطرة
المتماهية بحسب الحركة، وأفلام طوى الزمان عليها صفحته.
كيف كنا نقضي أيامنا بلا حرب.؟ عن الحديث اليومي، بعيداً عن الخلاف والمناوشات
والتخوين، بعيداً عن “أبطال الديجيتل” ومشاهير الفيسبوك
“المناضلين” وبعيداً عن انقسامات البوستات اليوم وبين من وقف بينهما..
الزمني على الفيس بوك يسهل الأمر.
هولندا؟ وفخراً أن علم سوريا بنجمتيه رفرف في كليب نانسي عجرم عن المونديال!!.
نقاط خلاف حادة بين الأصدقاء أثناء مناقشتهم قرار وزير التعليم عن منع المنقبات من
دخول الحرم الجامعي، خلافات حول وجود الله من عدمه، نكات وانتقاد لحذاء
“الطنبوري” ببوزه الحاد الذي تصدر الموضة في تلك الفترة. بينما تمتلئ
الصفحات اليوم, بمقتل 20 سورياً ببرميل وموت 3 بقذائف هاون. وحكايا موجعة تكاد
أقرب للأساطير عن قطف الروح غرقاً في البحار المنسية وانتحار السوريين في لبنان حرقاً
وشنقاً، غرق الأطفال بالطين في صحراء الأردن، الموت بأبشع أشكاله وأكثره عبثية.
أعود للصفحة
الرئيسية أتأمل صور أصدقائي، كل في بلد، صورة أيمن أمام مقهى النوفرة استبدلها
بصورته معانقاً اللاعب الأرجنتيني ميسي في متحف الشمع في لندن، خالد يرتدي ثياب
السلطان سليمان في اسطنبول، صديقتي في بيروت تكافح بحثاً عن عمل في اختصاصها بينما
تأتيها فيزا السعادة. وآخر مازال في سوريا كميّت يمشي على قدميه، يتجاهل
في الشارع أناس يعرفهم … ليس لؤماً بل ﻷن القهر غيّر ملامحهم، يحاول
رسم بسمة على وجهه والتكيف مع حياته القديمة الجديدة مشتتاً
مابين ذكرياته ومستقبله.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث