تماماً
كالثورة السورية التي لم تهنأ بقائد يوجِّهُها، تقدم الكاتبة والصحفية “ابتهال
قدور” نفسها للقارئ العربي بأنها امرأة من أرض الأبجدية الأولى، وعلى الرغم من
ولعها وحنينها لوطنها سوريا، إلا أنها ممتنة لكل البلدان العربية التي أقامت فيها،
والثقافات التي صاغتها، وشكلت رؤيتها للحياة.
وتصفُ بداية مشوارها بالكتابة بالتردُّد الشديد الذي
اعتراها عندما نشرت أولى مقالاتها في إحدى المجلات الكويتية، وذلك لصغر سنِّها وقتها،
وتضيف عندما شعرت بجودة حسن الصدى الذي لاقاه المقال الأول والمكون من ثلاث حلقات،
أحسست بالشعور الذاتي والرضا، فواصلت.
تدرّجت
“قدور” في العمل الصحفي من مسؤولة عن صفحة الأسرة في مجلة “المجتمع”
إلى صفحات الترجمة ثم توقفت، مبررة ذلك التوقف بالبعد عن الذات، وعادت لكتابة المقال
الصحفي في الصحف والمجلات العربية، لتجمع تلك المقالات في كتابين لها، وأصدرت الكتاب
الثالث تحت عنوان “المرأة بين المواجهة والاستسلام”.
تقول
“قدور” من الخطأ أن يتم الغرس في المرأة أنها خلقت لمهمة واحدة وهي
“الأمومة”، بينما قد لا تدخل كل امرأة بالضرورة فضاء هذه المهمة، أو قد تدخلها
مرحلياً، وتعود لتغادرها ، مما يستدعي وجود مهام أخرى للمرأة التي تكون خارج مهمة الأمومة.
وتضيف
بأنه يجب علينا إعداد المرأة لكي تكون بمواصفات
إنسانية متكاملة، ومتوازنة جسدياً، وفكرياً، واجتماعياً، ونتيجة السهو عن هذه القضية،
تعطلت لدينا طاقات نسوية كثيرة، وهذا التعطل شكَّل ضرراً على المرأة ، والمجتمع ، حيث
عانت المرأة مما يسمى “الفراغ المرضي”.
أمّا
عن الدور الذي قامت، وتقوم به المرأة العربية في ظل الثورات والتغيير فترى “قدور”
بأن المرأة فردٌ من أفراد المجتمع، منهن من استنكرت التغيير، ومنهن من شجعته، وباركته.
وقدمت
المرأة فلذات كبدها مصداقاً لقناعاتها، وشددت على أن المرأة الآن في سوريا تحدت كل نساء العالم بتضحياتها وصمودها، ولم يعد
هناك من داع لاستحضار الشخصيات التاريخية للمرأة، وشبهت المرأة السورية بأنها الذهب
الخالص الرائع الجمال، لافتةً إلى أن الثورات حكّت معدن هذه المرأة العربية، وأظهرت
حقيقته للعلن، وأن المرأة تحاول الآن جاهدة الوقوف في وسط يعمل على كسرها، وتضيف بأن
الأم هي الأكثر معاناة في هذه الثورات والمجتمعات الناتجة عنها، لأنها سوف ترضع الأبناء
الجدد لهذه المجتمعات الوليدة القيم، والمبادئ التي تشكل أساس المجتمع، ومن ثم تأتي
مهمة المؤسسات الأخرى في المجتمع في تنمية هذه الأساسات، وصقلها، لكي يكون لدينا إنسان
يحب إنسانيته، ولا يشوِّه الوجه الجميل للإنسانية، ويقلل من شأنها.
وعن
سؤال صدى الشام للكاتبة عن رضاها عن الأدب الذي رافق هذه الثورات، أوضحت بأن أدب الثورة
واكب الحراك الثوري، وعكس إلى حدٍّ بعيدٍ حالة
الشعوب في ثوراتها، مع خجل في البداية، ووصفت بدايات الأدب الثوري بالخجول، لكنه سرعان
ما تفجر، وأصبح أكثر جرأة مع ارتفاع حصيلة الدم، وتفاقم حجم الدمار، وقد تنقل الأدب
الثوري من مرحلة الأداء إلى مرحلة نقد الأداء وتقويم المسار.
وترى
قدور بأن الحالة الثقافية السورية عانت من غياب الاستراتيجية الموحدة، المسؤولة عن
الحراك الأدبي وتوجيهه تماماً كالثورة السورية التي لم تهنأ بقائد يوجهها.
وكشفت
عن أن الكتاب والأدباء السوريين قاموا بإنشاء الاتحادات والروابط الأدبية التي عبّرت
عن الحسِّ الثوري، وإرادة العمل الجاد لديهم، لكن هذه التشكيلات الأدبية لم تخل من
سلبيات ونواقص لاتتناسب مع الظرف، وبهذا ظل العمل الأدبي نوعاً وكماً قضية نسبية تعود
للأديب نفسه ومدى حيويته وعطائه ورؤيته.
وترى
“قدور” بأنه في خضم هذه الثورات بأنه لم يعد خافياً للجميع بأن القيد الأساسي والأكثر إعاقة أمام المجتمعات العربية
هو “القيد الذاتي” الذي تستسلم له، وحالياً مع انهيار جدران الخوف المصطنعة،
فإن إعادة صياغة أجيال الغد على أساس الخوف الذي انتهجنه أغلب الأنظمة العربية جريمة
كبرى، وتضيف بأن هذه الشعوب قدّمت في هذه الثورات أعلى سقف في قائمة التضحيات، والاستنتاج
السليم أن هذا الوحش الكاسر الذي خرج ليلتهمنا ما كان ليكبر ويتضخم لولا عفونة الصمت
والخوف الطويل المتراكم لدينا.
وشددت
“قدور” بأنه علينا، وإن كنا لا نريد لأبنائنا وأحفادنا تكرار المأساة فإنَّ
علينا أن نزرع في نفوس الناشئة القيم الإنسانية التي تمنح وجودنا المعنى، كالحرية،
والعدالة، وأن نلقنهم دروس الشجاعة العملية، لا تلك الدروس المخزنة في طيات الكتب،
والتي تبدو كأنَّها أساطيرُ لم يعدْ لها وجود.
وعبرت
الكاتبة عن رفضها أساليب الحياة التي ترضى بالكفاف، والتي تقبل بالحد الأدنى من المأكل
والمشرب، بمعزل عن الكرامة، والحرية، والعدالة، ووصفتها بالشكل البشع للحياة، وبأن
تلك المجتمعات لا تعلم الهدف من وجودها.
وعن
خبرتها ببلدان عربية شتى ولاسيما أنها أقامت في ليبيا والجزائر والكويت قالت تأكدت
بأن التخويف سياسة ومنهجية تمارسها الأنظمة، بل وتظهرها علناً، والقمع التي تمارسه الأنظمة جريمة
بذاتها، وجريمة لكونه رسالة يؤدي إلى نشر الرعب في القلوب.
تقول
في “ليبيا” القذافي عندما كنت مقيمةً
هناك كانت المشانق تنقل على القناة الرئيسية نقلاً مباشراً، وفي شهر رمضان، وتحديداً
وقت الافطار، وكان يؤتى بالطَّلبة المعارضين ليُعدَموا شنقاً على منصات العلم والمعرفة،
في أروقة الجامعات وممرات الكليات، على مرأى من جميع الطلبة والطلبات والعاملين في
الجامعة.
وتفرق
الكاتبة بين رسائل الرعب التي ترسلها الأنظمة العربية كماً ونوعاً، وذلك حسب التقارير
المخابراتية التي تبيّن حالة الشعب يقظة أم سباتاً، حتى جاءت الثورات لتكسر إرادة الأنسان
هذا الجدار الصلب والمتجذر، وتبين لنا حجم القوة البشرية التي استطاع الخوف أن يخفيها
خلف جدران الوهم الهشة.
ووصفت
العالم بأنه مُلوّث أدبياً وإنسانياً، وقالت أن يجرم نظام بحق شعبه، فهذا أمر قد يحدث،
وقد يكون له ما يفسره ، والطبيعي أن يرفض العالم
هذا الإجرام بطريقة أو بأخرى، ويعمل على إيقافه حسب القوانين والإملاءات الدولية
..لكن سكوت العالم يعني الكثير.
ونبّهت
إلى أنه من الناحية الإنسانية ليس هناك أخطر من أن يستمرئ الإنسان اضطهاد أخيه الإنسان،
وليس أخطر من أن يرى صنوف القتل والإبادة والتشريد تمرُّ أمامه فلا يجد فيها محركاً
قوياً لصرخة غضب فاعل، وأكدت بأنه إذا حصل هذا فهو دليل على أن الإنسانية في خطر حقيقي،
وإشارة إلى أن هناك من لا يأبه لتلوثها ويجعلها تسير خارج مساراتها، وحين يتأصل هذا
الوضع الخطير في العالم سيصبح الإجرام عادياً ومبرراً في المنظور الإنساني.
وتساءلت:
هل هناك خطر على الإنسانية المتطلعة إلى تطوير ذاتها من النكوص!؟
ولدى
استفسار صدى الشام عن عبارة للكاتبة تقول فيها
“التعبير عن مشاعرنا بصراحة ووضوح ليس إيجابي النتائج دوماً” أجابت
لقد ذكرت هذا حين وجدت أن صفحات التواصل الاجتماعي تزدحم بمشاعر اليأس والألم والقلق
والخوف من القادم، ولأننا نمتلك جمالية التأثر والتأثير، فلن تمرَّ هذه المشاعر التي
يعبر عنها أصحابها مروراً هامشياً، إنما ستلقى نفوساً مرهفة وحساسة ،ستؤثر فيها وتخدشها،
وقد تنقل إليها تلك الحالات الشعورية السلبية، وبما أننا في وضع ثوري لا يحتمل التثبيط
كان الامتناع عن نشر رسائل اليأس أجدى من الاسترسال فيها، فالكلمة مسؤولية ومن الحس
بالمسؤولية أن نحسب نتائج ماستحدثه كلماتنا في نفوس البعض.
وتضيف
بأن التعبير عن المشاعر الجميلة التي يحدوها الأمل والثقة، والقوة لا حرج من نشرها، أمَّا السلبي منها فالأفضل أن
نعمل على التعامل معها بذكاء حتى يتم التخلص منها، لأنها كالفيروسات القاتلة التي تؤذي
صاحبها، وتطال من حوله.
وختمت
قدور برسالة بعثتها إلى كل من يعبّر عن مشاعره على الملأ بأن يبعث للآخر بسمات الروح،
ولمحات الأمل، وخاطبته بقولها: ابعث لنا الجمال، والحب، والخير، أما السلبي فهو موجود
يا صديقي لدينا جميعاً ، وفيما نحن نعمل على التخلص منه، فإنك برسائلك تلك تعيق عملنا.
حوار
مصطفى محمد – العربي الجديد
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث