عبد القادر عبد اللي
على الرغم من التصريحات الرسمية التركية بأن تركيا لن تدخل بأية عملية برية في سورية دون غطاء دولي، أي أنها تعيد تصريحاتها التي تطلقها منذ خمس سنوات، يبدو أن السعودية ماضية بتشكل تحالفها الخاص الذي يطلق عليه بشكل غير رسمي حتى الآن اسم “تحالف تحرير الرقة”، ولا أدري ما الذي جعل “النشطاء/ الشبيحة” يخلطون عن قصد أو جهل، بين مناورات “رعد الشمال” لتحالف الدول الإسلامية و”تحالف تحرير الرقة”…
كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد رفضت الخطة التركية بمحاربة داعش براً، وكان الرئيس الأمريكي وقحاً إلى أبعد الحدود يومئذ، بتصريحه من مدينة أنطاليا التركية، إذا قال: إذا حاربنا داعش براً فستهرب إلى دول أخرى، وتتوسع الجبهة.. وبهذا يعترف وبشكل جلي بأن الولايات المتحدة تحافظ على داعش مثلها مثل محافظة الروس والإيرانيين عليها، فهل ستسمح الولايات المتحدة للسعودية بهذه الحركة التي طالما رفضتها عندما ألحت تركيا بطلبها؟
قبيل انطلاق مناورات “رعد الشمال” العسكرية في السعودية، وصلت طلائع قوات الاستطلاع السعودية إلى قاعدة إنجيرليك الجوية في أضنة الخاضعة للإدارة الأمريكية، في إطار حلف شمال الأطلسي والتحالف الدولي للحرب على داعش. وبعد أيام، التقط طيار تركي سيلفي أثناء تنفيذ مناورات جوية في مدينة قونية وسط تركيا، ونشرها، فظهرت خلفه طائرتان سعوديتان إف 15، وبهذا أشير إلى مناورات لم يعلن عنها جرت بين القوات الجوية السعودية والتركية بالتوازي مع رعد الشمال. وصباح 25 شباط أعلنت الخارجية التركية عن وصول عدد (لم تحدده) من طائرات الشحن السعودية تنقل قوات عسكرية وعتاد…
لا أحد يأخذ تهديد وليد المعلم بإرسال الجنود السعوديين إلى بلادهم بالتوابيت على محمل الجد، ولكن الإيرانيين سخروا من الخطوة السعودية، واعتبروها نوعاً من المزاح. أما روسيا فقد قالت إن الأمر يحتاج إلى قرار دولي أو موافقة الحكومة السورية. ليس مفاجئاً أن ينزعج حلفاء إيران من الخطوة السعودية المعلنة.
تشكل داعش شريان الحياة للقوى العالمية كلها التي تسعى لتأهيل الأسد، وقد تمكنت هذه القوى من لعب هذه الورقة بشكل ناجح، حتى باتت الدول العالمية تتعامل مع الأمر الواقع على الرغم من معرفتها هذه العلاقة السرية أو العلنية بين النظام وهذا التنظيم.
ما يسمى المعارضة السورية المعتدلة مضطرة اليوم للقتال على جبهة النظام بتفرعاته كلها، وجبهة داعش في آن واحد، وعلى الرغم من تحالف قوة عالمية عظمى هي روسيا، وقوة إقليمية مهمة هي إيران، وبعض القوى المحلية، لم يحقق هذا التحالف نجاحاً كبيراً في مواجهة المعارضة، فماذا يحدث لو أخرجت داعش من المعادلة؟
من المؤكد أن التحالف الإيراني الروسي سيستشيط غضباً من الحرب ضد داعش، وخاصة فيما لو نجح التحالف السعودي بتحرير الرقة وتسليمها لمعارضة سورية مسلحة مقبولة دولياً. ومن الناحية العسكرية لن يكون الأمر صعباً على قوات خاصة مدربة لديها أسلحة قوية وحماية جوية دحر داعش، فهذا التنظيم حتى الآن لم يمتحن في معركة عسكرية حقيقية، وغالبية معاركه كانت مع جيش عراقي أو سوري فاسد وميليشيات طائفية تشبهه في البنية والعقيدة القتالية.
القضية على ما يبدو صراع إرادات، فالسعودية حتى الآن ماضية بخطتها، على الرغم من عدم التصريح بشكل رسمي حتى الآن بها. وبما أن تركيا سمحت للسعودية ومن معها بالدخول إلى أراضيها وإجراء الاستطلاعات اللازمة، ومناورات خاصة بين الطيارين الأتراك والسعوديين، فهذا يعني أن هناك قبول تركي وتوافق، وحتى يمكن أن يكون هناك دعم عسكري غير معلن حالياً…
ولكن الوضع في تركيا غير مستقر بعد، فغير حزب الشعوب الديمقراطي المشغول في الحرب الدائرة اليوم في كردستان تركيا وكردستان العراق، فقد أسفرت القيادة الجديدة لحزب الشعب الجمهوري عن وجهها الطائفي، وأعلن النائب عن دائرة إسطنبول من هذا الحزب “إران إردم” بأنه في حال نشوب حرب بين تركيا وإيران فسيكون إلى جانب إيران… بالطبع من المبكر الحديث عن حرب مباشرة بين إيران وتركيا في هذه الظروف، ولكن التصريحات من هذا النوع تبرز القوة الإيرانية الفاعلة في الداخل التركي. وعلى هذا الصعيد، يقول قائد القوى البرية في الحرس الثوري الإيراني الجنرال محمد باكبور، بأن معسكرات حزب العمال الكردستاني لديهم تحت الرقابة المباشرة، وسيضربونها فيما لو أقدم أعضاء هذا التنظيم على أي خطأ… وهذه قوة أخرى تعتبرها إيران تحت أمرها، وهي فاعلة بقوة على الساحة التركية السياسية والعسكرية…
ثمة أمر يتجاهله كثيرون، وخاصة الروس، عند طرح هذه القضية، وهو أن السعودية ستدخل الأراضي السورية بموجب تفسيرها للقرار الدولي القاضي بتشكيل قوات تحالف دولية ضد داعش، وهي حقيقة، وليس من مصلحتها أن تضرب غير داعش، وضربها لداعش كافٍ لقلب الموازين، خاصة إذا أوفت بوعودها وسلمت بعض المضادات الجوية لبعض التنظيمات…
القضية تحتاج إلى قليل من الحزم، وبعد البدء بالعملية وتحقيق نجاحات بقهقرة تنظيم داعش على الأرض ماذا سيقول الإيرانيون؟ هل سيدافعون عن داعش؟ هل سيضرب الروس الجيش السعودي دفاعاً عن داعش؟ من غير المعقول أن تدخل إيران وروسيا بمتاهة من هذا النوع، ولعل السعودية مدركة لهذا الأمر، وهذا ما يجعلها تظهر بأنها ماضية في خطتها…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث