ثائر الزعزوع
في لقاء جمعه بمجلس نقابة المحامين في سوريا، جلس قرابة خمسمئة محام ليستمعوا إلى محاضرة من رئيس عصابة آل الأسد يحلل فيها ويشخص الأوضاع. وكعادته، لم يترك تفصيلاً مهما كان صغيراً إلا وأشبعه تحليلاً على طريقته السخيفة، وكان أولئك المحامون يستمعون ويهزّون رؤوسهم مثل مجموعة من الخراف. والحقيقة أن رئيس العصابة وكعادته، كان يمارس دور أستاذ المدرسة على أولئك الحمقى الذين درسوا القانون وتخصصوا في الدفاع عن المظلومين، كما تقتضي مهنة المحاماة، لكن أجفانهم لم ترف ولو مرة واحدة لرؤية مئات آلاف السوريين وهم يذبحون بدم بارد على يد هذا السفاح الذي لم يعرف التاريخ الحديث له مثيلاً. وإذا سلمنا جدلاً أن نصف المحامين كانوا مجبرين على البقاء تحت حذاء هذا القاتل، فمن المؤكد أن النصف الآخر هم شركاء في جريمته وقد ساهموا ويساهمون كل يوم في ذبح من تبقى من السوريين، وغداً حين يتهاوى إلى السقوط سيظهرون في الصورة كحملان وديعة تطالب بإحقاق العدل، وربما يتصدرون المشهد المستقبلي باعتبارهم رجال قانون، ولن نتأخر قبل أن نسمع أصوات من يطالبون بالغفران لهم فهم لا حول لهم ولا قوة، لكن دعونا لا ننسى أنهم شركاء في الجريمة، والشريك في القتل هو قاتل لا محالة.
أكثر ما لفت انتباهي من بين كل الهراء الذي تفوه به رئيس العصابة، هو حديثه عن بداية المظاهرات في سوريا، حين قال إن أكبر المظاهرات التي خرجت في يوم واحد في سوريا لا تتجاوز المليون، وكما تعلمون، فإن المليون لا قيمة لها ضمن أربعة وعشرين مليوناً، وهو يقصد هنا أن مليون متظاهر لا يمثلون رقماً في سوريا التي يبلغ عدد سكانها أربعة وعشرين مليوناً. وللملاحظة فقط، فإن سوريا عام 2011 لم يكن عدد سكانها وفق أحدث الإحصائيات الرسمية يبلغ أكثر من ثلاثة وعشرين مليوناً، أي أن المليون الذين تحدث عنهم رئيس العصابة من ثلاثة وعشرين مليوناً وليس من أربعة وعشرين، ولكن مليون زائد مليون ناقص لا يهم. وبالعودة إلى المليون الذي لا قيمة له، فإن قتل ذلك المليون وفق نظرية المذكور لن يقدم أو يؤخر في الأمر شيئاً، وقد سعى هو وعصابته الإرهابية وقطعان الميلشيات الطائفية التي استجلبها لقتل كل سوري تصل إليه نيران مدافعهم وصواريخهم وغازاتهم الكيماوية، وصولاً إلى ما آلت إليه الأمور الآن، سعوا جاهدين لتحقيق تلك النسبة المئوية التي لا قيمة لها. وقياساً عليه فإن مقتل مئتي ألف سوري من الطائفة العلوية لن يمثل شيئاً يذكر بالنسبة لرئيس العصابة، إذ أن عدد أبناء الطائفة العلوية في سوريا يبلغ مليوني نسمة تقريباً، وقد زج بأبنائهم وبناتهم في حربه ضد الشعب السوري. وتشير الأرقام إلى أن قرابة مئة وخمسين ألفاً من أبناء تلك الطائفة قد قتلوا، وجلهم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين عشرين حتى أربعين سنة، أي أن ثلاثة أجيال كاملة قد حكم عليها بالإبادة في سبيل إرضاء غروره وإجرامه، وتنفيذ المشروع الطائفي الذي رسمته طهران، وتسعى روسيا لتنفيذه عبر زيادة جرعات القتل اليومي التي تستهدف كل ما ينبض بالحياة.
وبما أن رئيس العصابة قد تحدث مطولاً في محاضرته المدرسية أمام المحامين الخراف، عن الدستور الذي كتبه خراف آخرون وسلموه له كي يسوق البلاد ويبقيها في حظيرته، فإن الدساتير تنص على أن من يشغل منصب رئيس الجمهورية يتحمل المسؤولية عن أمن الوطن والمواطن، وهو يحاكم بتهمة الخيانة في حال قام بالسماح لقوى أجنبية باحتلال بلاده. ومن واقع الحال فإن سوريا محتلة من قبل قوتين هما إيران أولاً وروسيا ثانياً، وقد قتلت هاتان القوتان عشرات الآلاف من السوريين، دون أن يتحرك أولئك القانونيون الذين حدثهم رئيس العصابة عن الدستور ليفهموا على أي أساس تم استجلاب المحتلين والغزاة. لكنهم خراف، وقد ينتظرون دورهم في الذبح من ضمن المليون المقرر ذبحه وفق نسبة رئيس العصابة المئوية.
الحقيقة أن كلام المذكور لم يستفزني، فمن يقتل واحداً مثل من يقتل مئة، الأمر سيان، لكني استغرب حقاً أن يظهر من يدعي أنه معارض للنظام ليوافق مجرد موافقة على أن رئيس العصابة قد يكون له أي حضور في المشهد السوري، وربما يصر أحدهم لاحقاً على ضرورة اللجوء إلى القانون لمقاضاته والحكم عليه، وسنقع فيما وقع فيه أهل مصر، وانظروا إلى حالتهم… قلت مرة إن الثورات تنتهي بالسحل ولا تنتهي بالمفاوضات، وأعود لأكررها، لا حباً في القتل ولا تحريضاً على الإجرام، ولكن لأن الطغاة لا بد أن يزولوا من التاريخ…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث