سقراط العلو
أنهت الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا يوم السبت 16/1/2016، فصلاً من الرعب خيم عليها لسنوات، حول برنامج إيران النووي، بعد أن أُعلنت عن التزامها ببنود الاتفاق المبرم مع مجموعة 5+1، وتم بموجب ذلك رفع العقوبات المفروضة على إيران، ليبدأ فصل الرعب في الشرق الأوسط من حيث انتهى في أوروبا وأمريكا. فما يعني أوباما الذي رفع يده عن الشرق الأوسط في آخر أيامه الرئاسية، هو النشاطات النووية لإيران، أما نشاطاتها الإرهابية في المنطقة فهي شأن شرق أوسطي لا يجوز التدخل به.
لم يرَ باراك أوباما أن رفع العقوبات عن إيران حوّلها، بحسب تعبير دونالد ترامب مرشح الرئاسة المحتمل، إلى دولة إرهابية فاحشة الثراء، فأيهما أخطر على مستقبل المنطقة والعرب خصوصاً، إيران نووية أم دولة إرهابية فاحشة الثراء؟؟؟
للإجابة على هذا السؤال لا بد من استعراض آثار رفع العقوبات على الاقتصاد الإيراني وقطاعات هذا الاقتصاد المختلفة، وسنستعين بما أورده تقرير صادر عن البنك الدولي بهذا الخصوص، وبعض التقارير عن حالة هذا الاقتصاد أثناء العقوبات، وما هو متوقع من رفعها وفق الترتيب التالي:
الاقتصاد الكلي
حتى العام الماضي، بقي الاقتصاد الإيراني في حالة كساد لأكثر من عامين، إذ هبط النمو إلى سالب 6.8% و1.9% في عامي 2012 و2013 على التوالي. ورغم أن الاقتصاد انتعش عام 2014، إلا أن حجم إجمالي الناتج المحلي بقي على حاله كما كان عام 2009.
وشهد قطاع النفط أكبر تراجع، حيث كبلته القيود الشديدة منذ عام 2012، وانخفض الإنتاج والصادرات انخفاضاً حاداً خلال هذين العامين.
وفي السنة المالية 2010/2011، قبل فرض العقوبات، بلغ إنتاج النفط ما يقرب من 3.7 مليون برميل يومياً، تم تصدير مليوني برميل يومياً منها، وفي السنة 2012/2013، بعد فترة وجيزة من تشديد العقوبات، انخفض إنتاج وصادرات النفط الخام بمقدار مليون برميل يومياً.
وشهد قطاع التشييد وصناعة السيارات، وهما القطاعان الرئيسيان، إلى جانب الخدمات، لتوفير فرص العمل، انكماشاً حاداً، إذا انخفض الإنتاج في صناعة السيارات إلى النصف، وفي قطاع التشييد بنسبة %3.6 و%3.1 في 2012 و2013، وذلك لأسباب يعود معظمها إلى تراجع الواردات من المواد الخام والمعدات وهبوط الاستثمارات، أيضاً، بعد توقف تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.
وانخفض الطلب على أذونات البناء 3% في المتوسط خلال تلك الفترة، وفي حين أن معدلات البطالة الرسمية لا تعكس الفاقد من فرص التشغيل، فإن التقديرات غير الرسمية تشير إلى زيادة معدل البطالة نقطتين مئويتين إلى 14% عام 2014.
من المؤكد أن جميع القطاعات في إيران قد تستفيد من انفتاح الاقتصاد الإيراني، وخاصة قطاعي صناعة السيارات والصناعات الدوائية.
ومن المؤكد أن جميع القطاعات قد تستفيد من انفتاح الاقتصاد الإيراني، ففي قطاع صناعة السيارات، وهو من أكبر القطاعات الصناعية حيث يشكّل 10% من إجمالي الناتج المحلي و4% من قوة العمل، يتوقع له أن يحصل على دفعة قوية بعد إلغاء العقوبات، حيث يتعزز إنتاج السيارات ويصل إلى مستويات قريبة من مستواه قبل فرض العقوبات. أما بالنسبة إلى قطاع الصناعات الدوائية، فسيرتفع الإنتاج وتستأنف الصادرات الدوائية إلى أوروبا التي كانت قيمتها تصل إلى 2.5 مليار دولار قبل فرض العقوبات.
سوق العمل
ساءت أحوال سوق العمل خلال فترة العقوبات، ومن المتوقع ألا يتأثر الطلب على العمالة تأثيراً مباشراً برفع العقوبات، حيث إنه سينمو من خلال الإنفاق من عائدات النفط المتزايدة والنمو في قطاعات كثيفة الاستخدام للعمالة، مثل صناعة السيارات والصناعات الدوائية وقطاع التشييد والسياحة والأعمال المصرفية والاتصالات. فالاقتصاد الإيراني يحتاج إلى خلق 5 ملايين فرصة عمل خلال السنوات المقبلة، كي يستطيع الحفاظ على معدل البطالة دون الــ 10%.
الاقتصاد الإيراني يحتاج إلى خلق 5 ملايين فرصة عمل خلال السنوات المقبلة، كي يستطيع الحفاظ على معدل البطالة دون الــ 10%.
أما بالنسبة إلى توزيع الدخل، فإنه من المتوقع أن يتأثر برفع العقوبات، بحيث يزيد عائد المهارات والمواهب وتزداد فجوة الدخل، كما أن زيادة الطلب على العمالة في القطاعات غير النفطية سيزيد من الطلب، وبالتالي ارتفاع الأجور.
إدارة العائد الاقتصادي المفاجئ
سيؤدي رفع العقوبات إلى استعادة إيران مليارات الدولارات من أموالها المجمدة، حيث صرح رئيس البنك المركزي، ولي الله سيف، إنه “مع رفع العقوبات ودخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ، سيتم الإفراج عن 32 مليار دولار من الأموال المجمدة”، ويؤكد المسؤولون الإيرانيون أن أرصدة إيران المجمدة في الخارج تتراوح بين 100 – 150 مليار دولار.
رئيس البنك المركزي: “مع رفع العقوبات ودخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ، سيتم الإفراج عن 32 مليار دولار من الأموال المجمدة”
كما سيؤدي إلى خفض تكلفة التجارة الخارجية وزيادة الصادرات عن المستوى الحالي، وستنخفض تكلفة الواردات والاستثمار والإنتاج، وبالتالي تزيد قدرة المصدّرين ومقدمي الخدمات الإيرانيين على المنافسة في الأمد المتوسط.
وستشهد إيران ضخ استثمارات ضخمة في حقول النفط والغاز، وبالتالي زيادة الصادرات إلى ما يقارب 3 ملايين برميل يومياً، وهذا من شأنه أن يزيد العائدات.
وقال البنك الدولي إن إدارة العائدات غير المتوقعة تتطلب سياسات تساند الصادرات وتنويع أنشطة الاقتصاد للحصول على نتائج إيجابية على النمو الاقتصادي وفرص العمل.
أسعار النفط
توقع تقرير البنك الدولي أن تنخفض أسعار النفط الحالية مع عودة النفط الإيراني، بنسبة 14% مقارنة بالأسعار الحالية، مع افتراض عدم تدخل منظمة الأوبك أو المنظمات الأخرى، ليتسبب ذلك في رفع المعروض من النفط مما سيؤثر سلباً على دول مجلس التعاون الخليجي عامة والسعودية بشكل خاص، حيث إنها تعتمد بشكل أساسي على تصدير النفط الخام ومشتقاته عالمياً. ومن ناحية أخرى ستستفيد البلدان المستوردة من تراجع أسعار النفط.
تقرير البنك الدولي توقع أن تنخفض أسعار النفط الحالية مع عودة النفط الإيراني، بنسبة 14% مقارنة بالأسعار الحالية، مما سيؤثر سلباً على دول مجلس التعاون الخليجي عامة والسعودية بشكل خاص.
وقد شهدت صادرات إيران انخفاضاً في عام 2012 بشكل ضخم، نظراً لتشديد العقوبات الدولية على المنتجات النفطية، حيث انخفضت صادراتها الى ما دون مليون برميل يومياً في يوليو 2012 مقارنة بــ2.8 مليون برميل يومياً في يوليو 2011. وسبق لوزير الخزانة الأميركي جاك ليو، أن صرح أن “الناتج المحلي الإجمالي الإيراني انخفض بنسبة تصل إلى 20 في المئة نتيجة العقوبات”، وأضاف أن “طهران خسرت ما يزيد على 160 مليار دولار من عوائد النفط منذ 2012، ووصل قطاع النفط والغاز الإيرانيين إلى حالة سيئة، لدرجة لا تسمح حتى بأن تكرر طهران ما يكفي من البنزين لتغطية احتياجات البلاد”.
ويعود هذا الانخفاض الى مقاطعة أغلب الشركات المستوردة في منطقة الاتحاد الأوروبي للنفط الإيراني. وعند رفع العقوبات الإيرانية بشكل كامل وبدء تصدير النفط، فإنه من المتوقع أن تصدر إيران على الفور 400 و500 ألف برميل يومياً، وقد يستغرق استئناف صادرات إيران إلى مستويات ما قبل 2012 فترة تتراوح بين 8 إلى 12 شهراً، وذلك بالتزامن مع تراجع أسعار النفط لأقل من 30 دولاراً للبرميل، و تزايد المخاوف من إمكانية أن يؤدي استئناف إيران صادراتها النفطية إلى إغراق السوق التي تتعرض بالفعل لضغط كبير جراء زيادة العرض العالمي وضعف الطلب، حيث تراجع خام برنت لأكثر من 4.5 في المئة ليصل إلى 29.46 دولار، في حين تراجع خام غرب تكساس ليسجل 29.47 دولار.
وقال محللون في مصرف كومرتس بنك في تعليق لهم «إنه في ظل إمكانية رفع العقوبات عن إيران، فإن المزيد من النفط سيغرق الأسواق»، وأضافوا: «بالرغم من أن زيادة العرض كانت قريبة الحدوث منذ فترة من الوقت، فإن الشعور الحالي من المفترض أنه سيدفع الأسعار لمزيد من الانخفاض». وخفض كومرتس بنك من توقعاته لأسعار النفط لعام 2016، ليعدل من توقعاته لنهاية العام لأسعار خام برنت إلى 50 دولار للبرميل مقابل توقعات سابقة بـ63 دولار.
التجارة الثنائية والاستثمارات الأجنبية المباشرة
كان للعقوبات أثر ضخم على عائدات التصدير الايرانية، بحيث أدت إلى انخفاضها بإجمالي 17.1 مليار دولار. ومع رفع العقوبات، من المتوقع أن يشهد شركاء إيران التجاريون الرئيسيون، ومنهم الإمارات وبلدان أخرى، نمو وتيرة التجارة النفطية وغير النفطية، خصوصاً بعد انخفاض تكاليفها.
وتشير دراسة البنك الدولي إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر في إيران قد تأثر سلباً بسبب تشديد العقوبات، خصوصاً في القطاع النفطي، حيث قيدت العقوبات حصول إيران على التكنولوجيا التقنية والاستثمار لتطوير قدرتها الإنتاجية من النفط والغاز.
كما تشير أيضاً تقديرات مبدئية إلى أن إيران فقدت مليارات الدولارات من الاستثمارات في ذلك القطاع، خصوصاً عقب تشديد العقوبات في 2012، حيث انسحبت الشركات العالمية من بعض مشاريعها، بينما اضطرت إيران إلى الاعتماد على الشركات المحلية في تنمية حقولها النفطية.
وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني، لدى تقديم أول موازنة للسنة الإيرانية المقبلة (مارس 2016- مارس 2017)، إلى مجلس الشورى، قال إن “البلاد تحتاج إلى ما بين 30 حتى 50 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية في السنة لتحقيق النمو”، وشدد روحاني على «الضرورة» المتزايدة «للاستعانة برؤوس الأموال الأجنبية» لدعم النمو في إيران.
وسيسمح رفع العقوبات لطهران بفتح الباب على مصراعيه للاستثمارات الخارجية والمبادلات التجارية.
وستتمكن إيران من تصدير واستيراد الأسلحة (شريطة أن لا ترتبط ببرنامجها النووي) وجذب استثمارات أجنبية، بما فيها الأميركية، خاصة في مجالات الطيران والبنوك والتأمين، والنفط والغاز والبتروكيماويات، والنقل البحري والموانئ، وتجارة الذهب والسيارات.
تمثل إيران بالنسبة إلى الشركات الأجنبية سوقاً استهلاكية تقدر بـ 80 مليون مستهلك.
وحتى قبل دخول رفع العقوبات حيز التنفيذ الرسمي، أعلن وزير النقل الإيراني عباس أخوندي، أن بلاده تعتزم شراء 114 طائرة مدنية من شركة إيرباص الأوروبية، وتقول تقديرات إن إيران ستشتري ما بين 400 و500 طائرة مدنية خلال السنوات الـ 10 المقبلة.
كما كشف وزير الصناعة والمناجم والتجارة محمد رضا نعمت زاده، من جهته، أن بلاده توصلت إلى ثلاث اتفاقيات مع شركات ألمانية في قطاع صناعة السيارات، وتم أيضاً الإعلان بداية الشهر الحالي عن توقيع اتفاقية بين مجموعة “إيران خودرو” الصناعية وشركة “بيجو” الفرنسية لتصنيع السيارات، وتسعى بيجو إلى شراء حصة من رأس مال الشركة الإيرانية الحكومية.
وتسعى اليابان، بدورها، إلى دخول السوق الإيرانية، عبر اتفاقية استثمار يتوقع أن يتم التوقيع عليها في شهر شباط/فبراير القادم، كما تم فور رفع العقوبات توقيع مذكرات تفاهم اقتصادية بين روسيا وإيران، وبين الصين وإيران بعد زيارة الرئيس الصيني لإيران مؤخراً.
إذاً بالمحصلة، فإن منافع طهران من رفع العقوبات هي:
1- انتعاش لصناعات السيارات والأدوية والتشييد والسياحة.
2- 5 ملايين فرصة عمل في السنوات المقبلة لتنخفض البطالة دون 10% .
3- الأجور سترتفع وستنخفض تكلفة التجارة والاستثمار.
4- سترتفع الصادرات وتنخفض كلفة الواردات.
5- استثمارات ضخمة في حقول النفط والغاز والصادرات منها ستزيد.
وهذا سيعني بطبيعة الحال تحسن الوضع الداخلي الإيراني، والتي شكلت العقوبات والضغوطات الاقتصادية شرارة كان يمكن أن يعول عليها في تفجير احتجاجات تطيح بنظام الملالي، إضافة إلى قدرة لا متناهية لإيران على دعم حلفائها من أنظمة وميليشيات إرهابية في المنطقة، وربما مد نفوذها إلى عواصم عربية جديدة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث