ثائر الزعزوع
لا يتوقع السوريون بطبيعة الحال، أن تفضي مفاوضات جنيف 3 إلى نتائج سريعة تكون كفيلة بإيقاف نزيف الدماء المستمر منذ قرابة خمس سنوات، بل إن المفاوضين أنفسهم قللوا من احتمال الوصول إلى صيغة يمكن الاتفاق عليها مع نظام يرفض كلياً الاعتراف بالطرف الآخر، ويعتبر نفسه متزعم جبهة المقاومة والممانعة، وأنه يتصدى لمؤامرة كونية، على الرغم من عديد الأدلة التي تؤكد العلاقة القديمة بينه وبين تل أبيب، إلا أنه ينظر وببساطة لجميع السوريين على أنهم مجموعة من الإرهابيين الذين يجب القضاء عليهم في سبيل بناء مستقبل سوريا، وهو ما صرح به أكثر من مرة رأس النظام السوري وكبار مسؤوليه. وقد قدمت مفاوضات إدخال المساعدات الغذائية والطبية إلى مدينة مضايا المحاصرة منذ أكثر من سبعة أشهر، نموذجاً للآلية التي يفكر فيها هذا النظام وداعموه، سواء في موسكو أم طهران، الذين تجاهلوا كلياً ولو حتى تلميحاً، ما يحدث في مدينة مضايا، ولم يصدر أي تعليق منهم على هذه الكارثة الإنسانية، فيما شاركت ميلشيات حزب الله وبفعالية غير مسبوقة، في زيادة معاناة الأهالي.
وإذا كانت أنظار العالم تتجه إلى جنيف على أمل أن يشكل بداية طريق الألف ميل لإنهاء ما بات يعرف عالمياً بالأزمة السورية، فإن هذا الموضوع تحديداً لا يشغل بال السوريين، طالما أن التفاوض قد يؤدي وإن جزئياً، إلى استمرار النظام ومؤسسته الأمنية والعسكرية. فيما استبعد المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات، السيد رياض حجاب، إمكانية الوصول إلى حل في ظل استمرار القصف والتدمير، وشدد على أن المعارضة لن تكون قادرة على الدخول في مفاوضات مع النظام السوري ما دامت هناك جهات خارجية تقصف سوريا. في إشارة إلى القصف الجوي الروسي الذي دخل شهره الرابع وأدى إلى تفاقم الوضع الإنساني، دون أن يسهم في رفع أسهم الأسد التفاوضية بسبب عجز قواته البرية بالاشتراك مع الميلشيات الطائفية الإيرانية وسواها، من التقدم بشكل كبير.
على الطرف الآخر، يتعامل نظام دمشق مع مفاوضات جنيف على أنها بمثابة طوق نجاة ألقي إليه، وأنه يستطيع ما أمكنه استثمار هذه المفاوضات، التي يتوقع مراقبون أنها ستكون شاقة وطويلة، لإعادة تسويق نفسه دولياً كطرف أساسي في الحرب على الإرهاب. ولا شك أن موسكو لن تدخر جهداً في دعم هذه البضاعة التي تعلم تماماً أنها مقبولة من بعض الأطراف، إلا أن موسكو تتجاهل أن الكثير من الدول تنظر للأسد على أنه رأس الإرهاب في سوريا، ولا يمكن الشروع في التخلص من المنظمات المتطرفة في ظل وجود نظامه، وهو ما أكدته تصريحات المسؤولين الأوروبيين تباعاً. وكانت الرياض أكثر تشدداً حين أكدت مراراً على أنه لا يمكن التفكير بمستقبل سوريا على الإطلاق إلا بعد رحيل الأسد، وهو الأساس الذي يركز الوفد المفاوض على اعتماده في عمله، لا التزاماً بتوجيهات سعودية كما يصرح النظام بذلك، ولكن لأن هذا هو المطلب السوري منذ البداية؛ فالشعب السوري خرج لإسقاط النظام لا لتشكيل حكومة وحدة وطنية يتحكم بعملها وقراراتها الأسد ومؤسسته الأمنية المتماسكة. وهذه أساس البلاء الذي يتحاشى البعض الحديث عنها، بل إن ثمة من ليس لديه مانع في إعادة تأهيل المؤسسة العسكرية مثلاً، وجعلها صالحة للمرحلة الانتقالية المفترضة، على الرغم من أنها متورطة بكل الجرائم التي ارتكبت بحق السوريين، لا خلال الثورة فقط بل على مدى تاريخ سوريا الحديث، وهي الراعية الأولى لعملية الفساد والتخريب المنهجيين، فكيف يمكن إصلاح مجرم وقاتل يتباهى بفعل القتل ويعتبره بطولة؟
ما سيحدث في جنيف 3 هو ما حدث في المؤتمرات السابقة، مزيداً من الوقت من دم السوريين وخلافات على ترتيب جدول الأعمال، وربما تسويف يقود إلى مؤتمرات جديدة. وستكون مهمة التفاوض مع هذا النظام مستحيلة، طالما أنه استبق المؤتمر بالقول: لن يحصلوا في المفاوضات على شيء لم يستطيعوا الحصول عليه في المعارك. وهو يقصد بذلك، وتحديداً، كرسي الحكم الذي يجعله مستعداً لإفناء ما تبقى من السوريين من أجل الحفاظ عليه بالتعاون مع شركائه.
وإذا أردنا أن نعود للبداية، فلن نرهق أنفسنا كثيراً لنعرف أن الحدث السوري بمجمله هو ثورة، وعند هذه النقطة ينبغي التوقف طويلاً ومعرفة دلالات الثورة ومساراتها. وإذا كان التفاوض واحدة من مراحلها، فليكن، لكنه بطبيعة الحال لن يكون خاتمتها… الثورة مستمرة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث