سقراط العلو
يبدو أنه في سورية الأسد فقط، الرئيس هو من يصنف “ثابت وطني”، ومساحة المتر المربع التي يقف عليها هي فقط حدود السيادة الوطنية، تلك المبادئ التي كرسها “القائد الخالد” وسار عليها ولده من بعده، والذي تحول إلى مختار حي بدلا من رئيس دولة، في سبيل ذاك المتر المربع، وحول السماء السورية إلى ميدان لتدريب الطيارين من كل دول العالم، وأرضها مشاعاً للمرتزقة ولذات الأسباب. ولكن من “شابه أباه ما ظلم” سياسياً وعسكرياً، أما اقتصادياً فلم تعد تجربة القائد الخالد كافية لسد أفواه الكلاب المسعورة من مستفيدين يدورون في فلك النظام، فنهب المال العام لم يعد مجدٍ بعد أن تحولت مؤسسات القطاع العام وبعد ثلاثة عقود من حكم الأب، إلى هياكل عظمية خالية الدسم، لذا صار لزاماً استلهام فكر راحل آخر هو رائد التطوير والتحديث الاقتصادي، وبوابة دخول سورية إلى عالم السوق الاجتماعي “عبد الله الدردري”، الراحل عن مؤسسات النظام عندما تهاوت، والباقي في الدنيا جسداً وفي الاقتصاد السوري فكراً ومنهجاً.
فها هي القيادة السورية الحكيمة تسير على نهج الاقتصادي المُلهِم “عبد الله الدردري”، ضاربة عرض الحائط بكل الانتقادات التي وجهت إلى تجاربه الاقتصادية التي أفقرت السوريين، وكانت إحدى الأسباب المباشرة لاندلاع الثورة، بحسب مؤيدي النظام أنفسهم، لتعيد طرح قانون التشاركية بين القطاعين العام والخاص بصورة موسعة تشمل كل ما يسمى بنية تحتية، وكل ما يندرج تحت بند القطاع العام، عدا “الثوابت الوطنية” و”الثروة الباطنية”، حسب مشروع القرار الذي طرح على “مجلس الدُمى” وتم إقراره في جلسة 28/12/2015، رغم أن الثروة الباطنية ومنذ زمن بعيد قد أعطيت حقوق التنقيب عنها واستثمارها لشركات أجنبية. أما الثوابت الوطنية، والتي لم يحدد مشروع القانون ماهيتها، فأعتقد أن المقصود بها المؤسسات العسكرية والأمنية، وهي لم تك يومياً إلا ملكية خاصة لآل الأسد وظيفياً، وإن حسبت على القطاع العام قانونياً.
وللتشاركية أوجه عدة اقتصادياً، منها عقود الإدارة التي تتخلى فيها الحكومة عن إدارة المنشأة العامة للقطاع الخاص مقابل رسم محدد مثل إدارة المطارات أو المرافئ جزئياً أو كلياً، وعقود التأجير التي يتحمل فيها القطاع الخاص مسؤولية التشغيل والإدارة مثل تأجير الطائرات. أما عقود الخدمة فتكون من خلال قراءة القطاع الخاص للعدادات وتحصيل فواتير الكهرباء والماء لصالح جهات حكومية، إضافةً إلى عقود الامتياز التي يقوم بموجبها القطاع الخاص بتقديم خدمات كانت تقدمها المؤسسات العامة بكفاءة متدنية أو بتكاليف عالية، كإدارة شبكات توزيع المياه في مناطق محددة أو عقود الامتياز لاستخراج البترول وعقود الإدارة والتشغيل والانتفاع الطويلة الأجل «BOT»، وتخفيض مساهمة الحكومة في ملكية الشركات أو المشاريع المشتركة، والبيع المباشر للقطاع الخاص أو مقايضة الديون بملكية عامة مع نقل كامل أو جزئي للملكية العامة.
يعد قانون التشاركية في الحالة السورية كلام حق يراد به باطل، وما هو إلا عملية بيع مقوننة للقطاع العام
فرغم أن مثل تلك العقود شائعة في الكثير من دول العالم في فترات التحول الاقتصادي وانتقال الدولة من مفهوم الدولة المتدخلة اقتصادياً (الاشتراكية) إلى مفهوم الدولة الحارسة (الرأسمالية) والتي تعنى فقط بشؤون الأمن والدفاع، إلا أنه في الحالة السورية تعد كلام حق يراد به باطل، وما هو إلا عملية بيع مقوننة للقطاع العام. فمثل تلك التشاركية بحاجة إلى تصنيف مؤسسات القطاع العام مسبقاً من قبل الدولة، إلى شركات رابحة رابحة (أي رابحة وستبقى) مثل الشركات الاحتكارية (مياه، كهرباء، اتصالات)، وتحتفظ الدولة بها لنفسها، أو خاسرة رابحة أي يعجز القطاع العام عن إدارتها وفق إمكاناته ويمكن للقطاع الخاص، بحكم مرونته الإدارية، استثمارها بشكل أفضل، أو خاسرة خاسرة يتم إغلاقها نهائياً. وهذا التصنيف يحتاج إلى شرفاء تفتقدهم الحكومة السورية للقيام به كونه يفتح باباً للفساد. والتجارب خير برهان، حيث قامت الحكومة السورية في الفترة ما بين 2006 و2010 ببيع مؤسسات رابحة للقطاع الخاص، مثل معمل ألمنيوم اللاذقية والذي بلغت تكلفة إنشائه أربعة مليارات ليرة سورية، ثم بيعت آلاته كخردة بحجة أنه خاسر، ومعمل الورق في دير الزور كذلك.
أن لمشروع القانون مخاطر اقتصادية وسياسية واجتماعية، حيث ستكون مؤسسات القطاع العام مكافأة للمواقف السياسية وستباع بأبخس ثمن
كما أن لمشروع القانون مخاطر اقتصادية وسياسية واجتماعية، من حيث من سيكون الشريك للقطاع العام سوى رجال الأعمال المناصرين للنظام داخلياً ورجال الأعمال الإيرانيين واللبنانيين والروس خارجياً، فمن سيقدم على مغامرة استثمار أمواله في بلد كسورية حالياً؟ وهذا ما يعني أن مؤسسات القطاع العام ستكون مكافأة للمواقف السياسية وستباع بأبخس ثمن، خصوصاً وأن مشروع القرار يمنح تسهيلات مبالغ بها للشريك الخاص، مثل إجازته للشريك العام بالتنازل عن أصول المشروع للشريك الخاص، وسماحه للمشروع بتحويل أصوله إلى أسهم، بما فيها حصة الشريك العام. والأسهم هي أوراق مالية قابلة للتداول والملكية ستعود لحامل الأسهم. إضافة لتمكينه الشريك الخاص الاستدانة من المصارف بضمان المال المتشارك عليه، يعني بضمانة المال العام. والسؤال في حال أفلس الشريك الخاص، ما هو مصير المال العام المتفق عليه؟ كما خلا مشروع القانون من أي فقرة تبين واجبات الشريك الخاص أو أي مخالفات وعقوبات تتعلق به في حال إخلاله بعقد التشاركية. ثم السؤال الأهم في ظل هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد، ما هو مصير الآلاف من الموظفين الحكوميين في المؤسسات التي سيتم التشارك عليها بين القطاع العام والقطاع الخاص؟ سيما وأن كل مؤسسات القطاع العام تعاني من مشكلة البطالة المقنعة.
بالرغم من زعم حكومة النظام أن مشروع قانون التشاركية يهدف إلى تنظيم إجراءات التعاقد لتحقيق أشكال التشاركية، إلا أنه ليس أكثر من عملية انسحاب للدولة نتيجة عجزها من الحياة الاقتصادية
فبالرغم من زعم حكومة النظام أن مشروع قانون التشاركية بين القطاعين العام والخاص يهدف إلى تنظيم إجراءات التعاقد لتحقيق أشكال التشاركية، متضمناً الإطار القانوني والتنظيمي والمؤسسي الناظم لعقود التشاركية التي سيقرّها مجلس التشاركية بما يحقق ويلبي متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتي تتجلى بإنشاء البنى التحتية والمشاريع الحيوية وتطويرها، مع ترشيد الاستثمارات الحكومية من الموازنة العامة، وزيادة التمويل المقدم من القطاع الخاص. بالإضافة إلى تحسين تقديم الخدمات، بالاستفادة من قدرات القطاع الخاص في مجالات التشغيل والصيانة والتسويق. وتحسين الكفاءة وتخفيض الكلفة وزيادة سرعة إنجاز المشاريع، بالاستفادة من مرونة القطاع الخاص وقابليته للتكيف والتجديد وتخفيض المخاطرة أمام القطاع العام، إلا أن مشروع هذا القانون ما هو إلا عملية انسحاب للدولة نتيجة عجزها من الحياة الاقتصادية، وبيع الاقتصاد السوري بكامله للداعمين من رجال أعمال سوريين وشركات إيرانية وروسية وصينية، وخصوصاً في مرحلة إعادة الإعمار القادمة، والتي حتى الآن لا تبدو على أجندة المعارضة السورية ولا تحتل أية أهمية لديها.
أما عن نظام الأسد فلو كان مصطلح التشاركية موجوداً في قاموسه السياسي لجنب البلاد كل تلك الدماء وذلك الدمار، وكفى السوريين شر القتال.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث