الرئيسية / رأي / انقلاب في المواقف السياسية التركية

انقلاب في المواقف السياسية التركية

عبد القادر عبد اللي

 

ثمة حقيقة في السياسة التركية تغيب عن أنظار المراقبين عموماً، والعرب خصوصاً، وهي أن أكثر الأحزاب السياسية التركية أيديولوجية -أو هكذا تبدو- هي في الحقيقة بعيدة جداً عن الأيديولوجية. وهذه الخصوصية لا يُستثنى منها أي حزب تركي. فمواقفها السياسية عموماً تعتمد على مبدأ سياسي بسيط جداً، ولعله يبدو ساذجاً، ولكنه الواقع. هذا المبدأ هو: “وقوف المعارضة السياسية موقفاً معاكساً لأي موقف تتخذه الحكومة”. بمعنى آخر، إذا قالت الحكومة التركية “اللبن أبيض”، من غير المستغرب أن يعلن كل حزب من أحزاب المعارضة أن اللبن له لون آخر غير الأبيض…

الأمثلة على هذه المواقف كثيرة جداً، فعندما قرر حزب العدالة والتنمية تقوية علاقاته مع النظام السوري، عارض حزب الشعب الجمهوري هذه الخطوة، واعتبرها خطراً على تركيا… والحزب نفسه عندما قطع علاقاته بالنظام السوري، وبدأ يدعم المعارضة السورية، رفع حزب الشعب الجمهوري صوته ضد الحكومة، ودافع عن النظام السوري، وحتى إن رئيس هذا الحزب زار دمشق، والتقى رأس النظام هناك.

هذا المثال الصارخ ينسحب على كل المواقف على الإطلاق… بعد انقلاب السيسي في مصر، وخراب العلاقات بين السعودية وتركيا، أكد حزب الشعب الجمهوري على تأييده الانقلاب، وصحيح أنه أقام بعض العلاقات الخجولة مع نظام السيسي، ولكنه سارع لإقامة أفضل العلاقات مع المملكة في عهد الملك عبد الله باعتبارها راعية الانقلاب، إلا أن وفاة الملك عبد الله، والتحول السياسي في المواقف السعودية، والإفساح لأرضوغان بالمكان وسط الجناح الخاص للأسرة الحاكمة في صلاة الجنازة، دفعت بحزب الشعب الجمهوري إلى الموقف العكسي تماماً، وبدأت تهاجم الحكومة التركية على إقامة هذه العلاقات الوطيدة من النظام السعودي، حتى إنها شنت هجوماً شرساً على الحكومة التركية لأنها أعلنت الحداد ثلاثة أيام على وفاة الملك عبد الله.

ومن هذا المبدأ لا يدع حزب الشعب الجمهوري فرصة إلا ويهاجم فيها اللاجئين السوريين، ويوجه إليهم أسوأ التهم، وحتى إن بعض وسائل الإعلام القريبة منه تختص بنشر الجرائم التي يرتكبها السوريون. وهو يتخذ هذه المواقف لمجرد أنه يعتبر الحكومة التركية ترعاهم.

قبل فترة قصيرة حدث أمر مر مرور الكرام في الإعلام، ولكنه في الحقيقة حدث جلل، لا بد من التوقف عنده لما يحمله من رسائل سياسية مهمة. فلقد قام وفد رفيع المستوى من حزب الشعب الجمهوري برئاسة الأمين العام للحزب غورسل تكين ورئيس الحزب في محافظة إسطنبول الكبرى جمال بولاط، بزيارة لبيوت اللاجئين السوريين في منطقة الفاتح، وأبدى الوفد تعاطفاً إنسانياً كبيراً مع السوريين هناك، ولاعب أطفال بعض الأسر، وحتى احتضنهم.

لم يكن موعد هذه الزيارة مصادفة، فقد جاء بعد إعلان الحكومة التركية فرض تأشيرة دخول على السويين الذين سيدخلون تركيا، وخاصة أن شروط الحصول على التأشيرة أكثر من صعبة بكثير، والأهم من هذا فهي لا تتيح لمن يحصل عليها الحصول على إقامة إلا إذا كان مرتبطاً بشركة أو جهة ما يعمل معها بعقدَ عمل أو شراكة.

على الرغم من التبرير الذي يبدو منطقياً لفرض الحكومة التركية تأشيرة الدخول على السوريين، وهو أن تركيا ستدخل منطقة الشنغن، وهذا يفرض عليها فرض التأشيرات على مواطني الدول التي تدخل منطقة الشنغن كلها، وبمعنى آخر، ستفرض التأشيرة على مواطني خمسين دولة أخرى كانت قد ألغت تأشيراتها، ومن بينها إيران وروسيا، ولكن إعلان فرض التأشيرة على المواطنين السوريين بشكل مستقل، وقبل الإعلان عن إلغاء تأشيرات الدخول لبقية الدول يحمل رسالة سياسية مهمة، ولعل هذا ما دعا المسؤولين في حزب العدالة والتنمية على اختلاف مستوياتهم، إلى إطلاق تصريحات حول عدم المساس بالوضع الراهن للسوريين الموجودين حالياً على الأراضي التركية، ولكن إلى متى؟

من بين هذه التصريحات إعطاء السوريين إذناً بالعمل، علماً أن منح هذا الإذن لا يُغير من الأمر شيئاً، حتى إنه إقرار لما هو مقرر مسبقاً، فقد كان السوريون الذين يحصلون على فرصة عمل يستصدرون بسهولة إذناً بالعمل مقابل دفع مبلغ الضريبة البسيط وهو 165 ليرة تركية، وقد حصلتُ شخصياً على إذن بالعمل للعام الدراسي 2014-2015 حين تعاقدت مع جامعة غازي، وعملت هناك عاماً دراسياً. بمعنى آخر، إذن العمل يقره القانون التركي قبل تصريحات المسؤولين، ولكن أي رب عمل (تركي أو سوري) سيعطي السوري عقد عمل رسمي ليحصل بموجبه على إذن العمل؟

المواقف التركية، والتصريحات العديدة التي تتوالى بسرعة كبيرة، تبدو مؤشرات تمهّد لتغيير ما في سياسة الحكومة التركية إزاء السوريين، وهذا بمعزل عن العمليات الإرهابية التي يرتكبها بعضهم، ومازالت ترتكب مهما اختلفت. العمليات الإرهابية المتكررة التي ترتكب على الأراضي التركية ستلعب دوراً سلبياً بهذه التطورات…

هناك كثيرون فرحوا لتغيير موقف حزب الشعب الجمهوري، وزيارة أمينه العام للاجئين، ومجاملتهم، ولكن من يعرف السياسة التركية جيداً لا بد أن يخيفه هذا التطور…

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

3 تعليقات

  1. صفوان طيفور

    كل معارضة تقف ضد حكومة و تخالف و تنتقد جميع انجازاتها هي معارضة إنتهازية أو مفلسة

  2. هذا هو اسلوب المعارضة في جميع الدول الديمقراطية !!! لو قالت الحكومة في المانيا العسل حلو سترد المعارضة و بانه مر !!

  3. هذا هو اسلوب الأحزاب المعارضة في جميع انحاء العالم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *