الرئيسية / Uncategorized / الضمير الذي يحرر النفوس المسجونة بين جدران عقائدها رواية فيكتور هوغو (عام 93) تهزأ من حروبنا

الضمير الذي يحرر النفوس المسجونة بين جدران عقائدها رواية فيكتور هوغو (عام 93) تهزأ من حروبنا

د. نوال الحلح                                       

لماذا التوقف الآن عند نص روائي كتب عام 1863؟ ربما لأن الحروب تتشابه، ولأن الإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان، وربما لأن هوغو حاول في كل ما كتب القبض على الجوهر الإنساني المشترك عند جميع البشر.

إن التقاطعات الرهيبة التي يستحضرها قارئ هذه الرواية (“عام 93” لفيكتور هوغو، والتي ترجمها زياد العودة، وأصدرتها وزارة الثقافة – الهيئة العامة السورية للكتاب- دمشق 2010) مع الأزمات المصيرية التي تؤرقنا في معمعة ثورات العالم العربي والحروب الأهلية فيه، تجعلنا ندرك أن بعض الأعمال الروائية لا تموت. على القارئ أن يدرك قبل الشروع في (مشروع) قراءة هذه الرواية أن يتجهز للتنقيب والبحث، كما لو أنه يزيل بالفرشاة ركام الأتربة عن وجه اللقى الأثرية، لأن الزخم المعرفي والوصفي والفلسفي أحيانا يُجهد القارئ العجول، لكن الجوهر الذي يكثف فكرة الرواية يستحق أن يكون شعارا يُرفع في وجه أعداء الإنسانية هذا الجوهر/ الشعار هو: إن العقائد جميهعا سواء أكانت دينية أم سياسية يجب أن تكون خادمة للضمير الإنساني لا أن تكون سيدة له. والآن ونحن نرى العقيدة الدينية المتمثلة بالتطرف المتقنع بقناع الدين، من جهة، والعقيدة السياسية المتمثلة بالدكتاتوريات العسكرية المتسلطة من جهة أخرى، تنتهك حرمة الضمير الإنساني للإنسان أينما كان، كان لابد لنا من التوقف عند هذه الرواية.

تنطلق سيرورة الأحداث من الحروب الأهلية الفرنسية بين الملكيين والجمهوريين في إطار زمني محدد هو عام 1793، ورغم السمات التاريخية التي تسم الرواية إلا أن الخيال يتقاسم السطوة مع التاريخ فيها، ولأن هوغو كاتب من الطراز الرفيع فهو يصنع انسجاما متماهيا بين الحقيقة والمجاز؛ فيأخذ من الوثائق التاريخية سمات أبطاله ويوشيها بحنكة الخالق الماهر ليمنحها صفات إنسانية تقترب من المثالية أحيانا، ولكن هوغو يتميز بالديمقراطية العادلة التي يتصرف بها مع شخصياته؛ فهو لا ينحاز أثناء الكتابة بشكل حاد تجاه شخصية ما كي لا يقلل من إنسانية الآخر كائنا من كان.

يتميز هوغو بالديمقراطية العادلة التي يتصرف بها مع شخصياته؛ فهو لا ينحاز أثناء الكتابة بشكل حاد تجاه شخصية ما كي لا يقلل من إنسانية الآخر كائنا من كان

يحكي السارد العالم بالخفايا والنوايا –والمتدخل في السرد في أكثر من موضع بوجهه المكشوف-  باستفاضة تفصيلات تتعلق بما كان يجري في تلك المرحلة بما يستغرق ثلثي الرواية، ثم يأتي الثلث الأخير ليوتر الأحداث ويصعّدها فيصل بالحبكة إلى الذروة التي سنلخصها بطريقة تعسفية تصلح لواقع حال هذه المقالة الموجزة، حيث يتم احتجاز ثلاث رهائن من الأطفال من قبل كتيبة عسكرية من الملكيين بقيادة (لانتوناك) الرجل الفولاذي المتعالي والمتعصب للملكية والكنيسة، والذي يقود بنفسه التمرد  ضد الجمهوريين، ويتم أخذ الأطفال الرهائن إلى برج (لاتورغ)، وهناك تتم محاصرة الجميع المختطِفين والمختطَفين من قِبل الجمهوريون بقيادة سيموردان (الرجل المرعب العادل الذي يقسو انطلاقا من إنسانيته، ويجسد حتمية الإرهاب المدمر للعالم القديم) بالإضافة إلى قائد آخر هو (غوفان) ذو الدم النبيل؛ حيث إنه من سلالة الإقطاعيين وابن أخ (لانتوناك) ولكنه تربى وتعلم على يد الأب الروحي سيموردان، كما أنه طوباوي صارم يؤمن بالحق والقانون العادل ويريد أن يكون الحق فوق القانون كي تعيش الإنسانية بسلام. تتسارع الأحداث لتبلغ ذروتها عندما يقرر الملكيّون بقيادة لانتوناك التضحية بالرهائن الأطفال حرقا، وتهريب (لانتوناك) من البرج عبر مخرج سري، بعد عدم استجابة المحاصِرين لمطالبهم بتأمين مخرج آمن لهم. وهنا تحدث المفاجأة المباغتة حين نجد لانتوناك الذي أمر بحرق الأطفال يتأثر بصرخات الأم الجزعة بعد خروجه من البرج فيعود إلى البرج كي ينقذ الأطفال؛ مع احتمال خسارة القضية التي كان يدافع عنها بشراسة تصل حدود التطرف، ويسلم نفسه للجمهوريين الذين سيعدمونه بالمقصلة، ولكن هنا تحدث المفارقة الكبرى بدخول الرقيب غوفان إلى زنزانة لانتوناك فيطلق سراحه ويضع نفسه مكانه، لأنه لا يرضى بأن يكون عدوه أكثر شهامة منه، كما أنه يرى بأن إنسانية لانتوناك انتصرت على اللاإنساني فيه، عندما أنقذ الأطفال من النار،  لذلك كله يقرر تسليم رأسه للمقصلة عوضا عنه. وفي الوقت الذي يتوقع القارئ -أو يأمل- من سيموردان العفو عن شهامة الرقيب غوفان -لاسيما أن غوفان كان قد أحرز انتصارات مشرفة للجمهوريين في أنحاء مختلفة من البلاد- يحكم سيموردان  بإعدامه ويكون شاهدا بنفسه على التنفيذ؛ وهو يأمر بالإعدام انتصارا للقانون الذي يمثله ويقوم على تنفيذه، وحالما يتم الإعدام يطلق النار على نفسه، بما يذكّر بانتحار المفتش في رواية البؤساء بعد أن يطلق سراح جان فالجان وبهذا يحقق المعادلة المستحيلة فيرضي العدالة  بتحرير مَن أنقذ حياته، من جهة، ويرضي القانون بقتله لنفسه، من جهة أخرى. وفي الحقيقة إن هذه الصراعات الداخلية بين الضمير والواجب هي التي شغلت هوغو في هذه الرواية.

أما على الصعيد التقني للرواية فهي تمتاز باستطرادات واسعة تتخذ أشكالا عدة وتتوزع في إنحاء الرواية وهذا ما جعل الرواية تمتد على 647 صفحة؛ جل هذه الاستطرادات تتجلى بالوصف المستفيض الذي كان -إلى جانب التفصيلات التاريخية التوثيقية المشحونة بأسماء الأشخاص والأمكنة- سببا لتثقيل السرد وجعله (سلحافاتيا) بطيئا إلى حد يخيف القارئ. ينقسم الوصف في هذه الرواية إلى وصف تقني إذا جاز لنا التعبير، يستعرض فيه الكاتب سعة معرفته وإلمامه بأسماء السفن وآلاتها والغابات وأشجارها والشخصيات المعروفة وتاريخها، ووصف من نوع آخرهو وصف غير محايد مشوب بالتأمل الذي يستقرئ غموض المعنى الكامن خلف سطوع السطح الظاهر، فيؤنسن الميت ويتلاعب بالمتناقضات ذات البعد الإنساني.

يدافع هوغو في روايته عن إنسانية الإنسان التي يحملها في ضميره وتتعالى على الأيديولوجيات والقوانين وهي ما يحفظ إنسانيتنا في وجه شراسة الهجمات التي يقودها التطرف الأعمى والديكتاتوريات المستبدة في كل زمان ومكان

وتبقى سمات أسلوب هوغو الخاصة تتمثل في القدرة على صناعة الأحداث المباغتة وصياغة الشخصيات التي تحمل ملامح من شخصيات حقيقية تاريخية، ولكنها في الآن نفسه تتحول في مطبخه الروائي إلى نماذج ورموز إنسانية خالدة، يدافع فيها هوغو عن إنسانية الإنسان التي يحملها في ضميره وتتعالى على الأيديولوجيات والقوانين وهي ما يحفظ إنسانيتنا في وجه شراسة الهجمات التي يقودها التطرف الأعمى والديكتاتوريات المستبدة في كل زمان ومكان.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *