دارا عبد الله
يقع كتاب “إكثار القليل” الصادر بالتعاون مع مبادرة من أجل سوريا جديدة في باريس، في ما يقارب مئة وعشرين صفحة. يبحث الكاتب فيه عن الأسئلة فقط، ليتركها معلّقة في ذهن القارئ المتحفّز للإجابات العمياء. نعم، وحدها الإجابات عمياء والأسئلة واضحة كالشمس، عبارات مشغولة بعناية فائقة وبرغبة جامحة للكتابة، لتحليل وفك وتركيب كل شيء مرّة واحدة. يحاكم دارا العقد الاجتماعي والديني والسياسي والاقتصادي والأدبي على الأصعدة كافّة دون مواربة، بشكل مباشر يلامس الحالة الثقافية والسياسية والشعبية.
دارا ذو الوجوه المتعددة في الطرح والأسلوب، يطلّ على قرّائه مرة من منبر المثقّف، وتارة من الشارع وتارة أخرى من السجن، وطورا من البيت. إنه السوري الذي تجلّى بكل أسباب الألم، السوري الذي امتلأ بكل أسباب الوجع، ذلك الذي بدأ يحاكم كل شيء مرّة واحدة ودفعة واحدة دون خوف.
يقدّم دارا عبد الله في كتابه الجديد قراءة متعمقة للمجتمع السوري المتنوّع، حتى يفرد بابا كاملا للتساؤل عن ماهية الثورة السياسية أو الطائفية. من هنا نستطيع أن نحدّد الملامح العامة لهذا الشاب الطموح الذي انتفض رافضا كل الفكر المعلّب مهما تقدّست أفكاره أو نصوصه. إنها الرغبة في الانعتاق والتخلّص من القيد الذي حاصره طيلة عقدين من الزمن من عمره.
هذه الطائرة التي استقلّها الكاتب ليشرّح بنية المجتمع السوري عرضيا، أعطته مساحات شاسعة في البحث والتفكير، فهو لا يطلق الأحكام أبدا بل يضع المشكلة كاملة بكل جوانبها، وهذا يدل على وعي واضح بين جمله والمقاربات التي يقدّمها في رحلة البحث عن هويّة واضحة لما يحدث، كي يصل إلى أنّ الثورة السورية في جوهرها هي محاولة القليل لإكثار نفسه واقعيا بتقليل الكثير.
كما يرسم دارا بقلمه العبارات التي وضعها سجناء سبقوه إلى ذلك المكان، فتركوا أمانيهم العالية بالخروج، أو أسهما لاتجاهات القبلة المتعدّدة، أو رسوما لوجوه أطفال تمنّوا رؤيتهم يوما، أو كلمات تدلّ على رغبة جامحة في الانتقام من السجّان. يتحدّث دارا عن شيفرات موجودة للرسائل، عن احتفالات وهمية لم تحدث، عن رجال ماتوا تحت التعذيب أو تحت الضغط بالرغبة في الحرية.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث