الرئيسية / رأي / بين نمرين

بين نمرين

ثائر الزعزوع

منذ أن قامت المملكة العربية السعودية بتنفيذ حكم الإعدام بمن وصفته بالإرهابي المرتبط بإيران نمر باقر النمر، تحول هذا النمر إلى مفردة أولى في وسائل الإعلام العربية والعالمية، وذكر اسمه مئات آلاف المرات، مع أنه شخصية عادية جداً، ولا يستحق هذه الضجة التي أثيرت حوله، والتي أدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران. وقد تبعت بعض الدول العربية المنحى السعودي، فطردت سفراء إيران من دولها، واجتمعت جامعة الدول العربية لتدين الفعل الإيراني بإحراق سفارة وقنصلية المملكة في طهران ومشهد. ولن تعود العلاقات السعودية الإيرانية الدبلوماسية قريباً، لأن طهران تنظر إلى المدعو النمر على أنه شهيد وبطل، ولم توفر وسيلة إلا واستخدمتها لتصنع منه أسطورة، ومناضلاً في سبيل الحق، وعالماً كبيراً جليلاً، مع أن الجمهور الشيعي نفسه لم يكن قد سمع باسمه قبل اعتقاله، فهو ليس واحداً من الخطباء المعروفين ولا نجوم الفضائيات الشيعية. هو عبارة عن أداة كانت تستخدمها إيران لإثارة القلاقل في المنطقة الشرقية في السعودية، وجعلته مسمار جحا الذي تستطيع من خلاله التغلغل في المملكة والعبث فيها كما فعلت في دول أخرى. وقد “جعر” حسن زميرة كعادته في خطاب متلفز مهدداً متوعداً “آل سعود” بأنهم سيلاقون مصيراً أسود بسبب قيامهم بإعدام هذا المناضل الكبير الذي كان يدعو إلى العدل والإصلاح والحرية لكافة السعوديين. وقد راجعت على مدى يومين عشرات مقاطع الفيديو للنمر المذكور فوجدته يدعو لولاية الفقيه لا لشيء آخر، ولا يهمني هنا إن كان تهجم على وزير الداخلية أو أي وزير آخر سعودي، لكن مجرد دعوته لولاية الفقيه هو بحد ذاته تخريب متعمد، لأنه دعوة لربط السعودية والبحرين وسوريا والعراق. واستطراداً، وكما قال حرفياً، كل العالم عليه أن يؤمن بولاية الفقيه. أي أن الرجل لم يكتف بإدخال الشيعة تحت عباءة المرشد الإيراني لكنه كان يريد إدخال العالم كله، أي ولاية وأي فقيه!!

على الضفة الأخرى يظهر بين الحين والآخر مقطع فيديو لنمر آخر، هو المدعو سهيل الحسن، الشخصية الكرتونية المضحكة، والذي يتندر السوريون بمشاهدته يتحدث لأنه عبارة عن حالة كاريكاتورية سخيفة. ومع هذا فإن ثمة من السوريين من يقفز بين اليوم والآخر ليسرب لنا خبراً عن مقتل النمر، ويحمل خبره على الأغلب طابع البشرى السارة للسوريين بأن النمر الوردي قد قتل، ليتبين لنا بعد ذلك أن الخبر بجملته عار عن الصحة، ويظهر بعدها النمر إما حاضناً وزيرة، كما في حالة كندة الشماط التي أطيح بها بسبب ذلك العناق العذري بينها وبين النمر، أو أن يظهر متحدثاً عن خطط عسكرية لا يفقه منها شيئاً، فهو يهرف بما لا يعرف، ويقول أي كلام، وهو على الأغلب يتعاطى نوعاً سيئاً من المخدرات خوله ليقول ما قاله خلال لقائه التلفزيوني مع شادي حلوة، وحديثه الكوميدي عن نظرية العالم. والحقيقة أن مقتل هذا “النمر” سيكون خبراً مفرحاً بلا شك، لكن دون أن نحمله أكثر مما يحتمل، فالرجل معتوه مهرج وليس قائداً عسكرياً، تماماً مثل ذاك الشيخ المجنون صاحب نظرية ولاية الفقيه.

شيء آخر

لفت نظري كثيراً خلال الأيام الماضية الجدل الذي أثارته حادثة قيام مجموعة من المهاجرين في مدينة كولن الألمانية بالتحرش بعدد من السيدات، وانتشار أخبار اتهام سوريين بالاشتراك بمثل هذا العمل الشنيع. وقد انبرى الكثيرون للدفاع عن السوريين وتصويرهم كملائكة هبطوا على الأرض، فيما أخذ آخرون طريقاً آخر وبدأوا يكيلون الشتائم لأولئك الحيوانات الذين جاؤوا إلى ألمانيا ليصبحوا وحوشاً آدمية، بل وذهب بعضهم إلى حد مطالبة الحكومة الألمانية بطرد هؤلاء السفلة، هكذا حرفياً، لأن السوريين ليسوا هكذا. طبعاً فيما بعد أظهرت تحقيقات الشرطة الألمانية أن السوريين بريؤون، وأن من قام بهذا الفعل المشين هم مجموعة من المهاجرين من دول شمال أفريقيا، وقد قامت إحدى القنوات العربية بملاحقة القضية برمتها. ما يهمني هو حالة الاستنفار غير المسبوقة ما بين دفاع وهجوم، مع أن الأمر بكل تأكيد هو أمر شخصي ولا يعبر عن سلوك مجموعة كاملة من الناس، فهناك من السوريين من يتحرش، فيما البعض الآخر يرفض التحرش. هكذا بكل بساطة. وقد رصدنا في أثناء عملنا في إحدى الجمعيات في سوريا قبيل الثورة أكثر من ألف حالة تحرش تحدث في دمشق وحدها يومياً، يقوم بها أشخاص من مختلف الأعمار والثقافات، وهذا التصرف موجود في كل دول العالم، حتى في ألمانيا نفسها. فالسوريون في النهاية ليسوا ملائكة، وهم يحتاجون وقتاً للاندماج في المجتمعات الغربية الجديدة التي تخلصت بشكل كبير من ظاهرة التحرش والاعتداء اللفظي والجسدي على المرأة… هذا ليس دفاعاً عن أحد، لكنه تشخيص فقط.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *