الرئيسية / Uncategorized / خوف الدكتاتور من الثقافة

خوف الدكتاتور من الثقافة

حنين عتيق

لم تكن الثقافة الحقيقية يوما بكل أشكالها ومراحلها ومحطات تطورها، سوى التعبير الأرقى عن حالة الإنسان، والذي لا يمكن أن يستمر بدون حرية حقيقية غير مجزئة. كما أن الثقافة بحد ذاتها تعيد إنتاج حرية الإنسان نفسها من خلال ما تطرحه من أسئلة دائمة، ومن تمرد على السائد وعلى كل حالات الظلم الإنساني، وعلى كل السلطات التي تقمع حريته، بكل أنواع هذه السلطات؛ السياسية والاجتماعية والفكرية والدينية.

فالثقافة والحرية كالشجرة والأكسجين تماما؛ إذ لا يمكن للشجرة أن تنمو بدون الأوكسجين ولكنها وبمجرد أن تأخذه تصبح هي بحد ذاتها، المنتج الأول له، والذي بغيابه تفنى الحياة، كل الحياة، على هذه الأرض.

لكل هذا، ولما تحمله الثقافة في داخلها من خلخلة وزعزعة للمطلق بكل أشكاله، وللدكتاتوريات بكل أشكالها، كانت الثقافة دائما العدو الحقيقي للسلطات الدكتاتورية، وكانت هذه السلطات تخاف من المثقف الحقيقي الذي يواجهها أكثر بكثير مما تخاف ممن يحمل السلاح ضدها. وقد كان هذا الخوف هو السبب الحقيقي وراء تصفية الكثير من المثقفين أو اعتقالهم لفترات طويلة أو نفيهم، على مر التاريخ.

لكن خوف الدكتاتوريات العربية من الثقافة والمثقفين كان أكبر، فكان ظلمهم للمثقف أشد وأقسى. لقد كانوا يعرفون أنهم لا يمتلكون أية قاعدة شعبية حقيقية وأنهم حولوا الجمهوريات إلى ممالك وأنهم أجهضوا كل الأحلام النهضوية والتقدمية للشعوب. وهكذا كانوا يتبعون تماما سياسة مكافيللي في كتابه الأمير، والتي تتضمن ترويع وتخويف الناس من خلال إنشاء أنظمة مخابراتية قوية وكثيرة ومنتشرة على مساحة البلد، مما يجعل ثقافة الخوف هي الثقافة الوحيدة المسيطرة على الناس، ومن خلال تجويع الناس وإشغالهم بلقمة عيشهم. والأهم كان من خلال تسطيح الثقافة عن طريق تهميش المثقف الحقيقي، وتهميش دوره ومكانته وموقعه من خلال التعتيم والإقصاء والتخوين والتشويه الأخلاقي، وعن طريق خلق ثقافة أخرى سائدة، ثقافة فاسدة، هي ثقافة المدح والتمجيد لشخصية الدكتاتور، وثقافة التسخيف والتبعية.

تم كل ذلك عن طريق الدخول إلى كل المناهج التربوية، حتى من مرحلة ما قبل المدرسة، استمرارا بمؤسسات تكرس هذه الثقافة، مثل طلائع البعث وشبيبة الثورة التي خلقت جيلا منفصلا تماما عن ثقافته الحقيقية، ومعتادا على حضور شخصية الدكتاتور ضمن منظومته الثقافية، ومن خلال الاعتماد على شعارات تم تفريغها من معناها، مثل الوطنية والقومية، وإطلاق الصفات الطنانة على شخصية الدكتاتور مثل “راعي العلم والعلماء”، أو “راعي الثقافة” و”المربي الأول”، وخلق الكثير من الأبواق التي تصفق وتزعق دائما في خدمة هذه الشعارات، وخنق الأصوات التي تعكر عليه طريقه لبناء هذه الأجيال. ولم تكن أسماء مثل سلامة كيلة وفرج بيرقدار وإبراهيم صموئيل وشبلي العيسمي وغسان جباعي وأنور البني، الذين أمضوا سنوات في أقبية سجون الدكتاتور في سوريا، إلا بعض الأمثلة على نظام كان يخاف دائما من المثقف، ليس فقط لتأثيره بمن حوله، وإنما أيضا لأنه بذاته يرفض دائما التبعية ويثير الأسئلة.

منذ بداية الثورة السورية في 2011، توضح تماما رعب النظام الدكتاتوري من المثقفين ومن نشطاء الحراك السلمي المدنيين، فقد قام بمحاولة تحطيم أدواتهم مثل ما فعل مع فارس الحلو وعلي فرزات، أو باعتقالهم، كالطيب تيزيني في اليوم الأول للثورة، وريما فليحان ومي سكاف ويم مشهدي والأخوين ملص وباسل شحاذة في المظاهرة التي سميت مظاهرة المثقفين في الميدان، أو كما فعل مع الشاعر فؤاد كحل حين اعتقله وضربه بشدة، ومع الشاعر طبيب الأسنان إياد شاهين، ومع الكاتبة سمر يزبك وزكي ومهيار كورديللو. أو أبعدهم ونفاهم خارج سورية ومنعهم من دخولها، مثل صادق جلال العظم وسميح شقير.

ولأن الدكتاتوريات الدينية المتطرفة هي الوجه الأخر للأنظمة الدكتاتورية، كان وما يزال المثقف، إن كان إعلاميا أو قانونيا أو إبداعيا، عدوها الأول، لذا فها هي رزان زيتونة مختطفة مع رفاقها منذ سنتين، وها هو ناجي الجرف يقتل في غازي عنتاب التركية برصاصة جبانة مكتومة الصوت.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *