ثائر الزعزوع
صمت ناجي الجرف، توقف قلمه عن الكتابة، توقف عقله عن التفكير، توقفت عيناه عن مراقبة التفاصيل، توقفت أذناه عن التقاط الأحداث، توقف عن الابتسام والضحك، عن معانقة ابنتيه الصغيرتين، عن الغناء لهما، توقف قلبه عن انتظار انتصار الثورة وسقوط الطغاة والقتلة جميعاً. كل ذلك حدث في ثوانٍ، طلقة صامتة أوقفت هذا الكائن المتوثب الحر عن الحركة، وتوقفت معها عقارب ساعتنا السورية يوماً كاملاً، بكى كل واحد منا على طريقته. لعلنا لم نصدق أن ناجي الجرف لن يكون موجوداً بيننا بعد اليوم، لا ندري أي كلمات تليق برثائه والبكاء عليه، لا نعلم إن كنا قادرين حقاً على تحمل خسارة صحفي يمتلك ذلك الدفق كله وتلك المحبة كلها، وتساءل بعضنا: هل ترد الرصاصة على الكلمة؟ أي جبن هذا؟ وكأن الطغاة طيلة تاريخهم لم يستخدموا الرصاص ليردوا على الكلمة، وكأن قائمة لا تنتهي من الشعراء والفنانين والصحفيين والكتاب الذين فارقوا الحياة بسبب كلماتهم لا تقدم لنا دليلاً على أن الكلمة سلاح، بل وكأن سجون آل الأسد منذ أن استولت هذه العصابة على سوريا لم تكن مخصصة أصلاً لحبس الكلمة واعتقالها، وقتل صاحبها إن لزم الأمر. قبل أشهر استشهد رسام الكاريكاتير الصديق أكرم رسلان في سجون النظام، واليوم نودع ناجي الجرف، وقبلهما وبينهما وبعدهما ثمة الكثيرون ممن ينتظرون. لا فرق هنا إن كانت الرصاصة صامتة أو بصوت، لأنها في الحالتين تريد فقط أن يتوقف ذلك المشاكس عن مشاكساته، وتريد أن يظل الجميع خرافاً يطيعون الوصايا ويهزون رؤوسهم ذلاً وقبولاً بكل شيء.
كان غويلز، وزير الدعاية النازي في عهد هتلر، يقول: كلما رأيت مثقفاً تحسست مسدسي..
ولعل كل قتلة التاريخ ساروا على هذه النظرية، لاحقوا ناجي العلي إلى لندن وأطلقوا الرصاص عليه كي يحطموا ريشته، حطموا أصابع علي فرزات لكنهم لم يستطيعوا أن يقتلوه، وقد وصلوا إلى ناجي الجرف. ألسنا جميعاً أهدافاً لهم، ونعلم أن أصواتنا ستكون سبب موتنا إن وصل القاتل إلينا! لكننا لم ولن نسكت.
كان ناجي الجرف يعلم بأن مدينة غازي عينتاب مفتوحة على كل الاحتمالات، وقد تلقى فعلاً رسائل تهديد بعد تقديمه الفيلم التسجيلي “داعش في حلب”، لكنه لم يسكت، ظل صوتاً حراً، وظل يعمل ليلاً نهاراً للثورة التي آمن بها، صحفياً ومخرجاً، وناشطاً إغاثياً. اعتقل، وأصيب، ونجا، كان في كل مرة ينجو.. ويواصل الحياة لأن ثمة الكثير الذي أراد أن يقوله، كان يفكر بسوريا بعد، يحاول أن يجد إجابة على هذا السؤال الذي بات يؤرقنا جميعاً، هل ستنهض سوريا من جديد؟ هل هي قادرة على أن تضم أبناءها في داخلها، وتعيد ابتكار وسيلة للعيش بينهم على اختلافاتهم وخلافاتهم؟ هل يمكن بعد كل ما حدث أن نفتح قلوبنا لبعضنا البعض، ونفكر بوطن واحد يضمنا؟ خسائرنا كبيرة، وجرحنا عميق لا شك في ذلك، لكن هل سنتوقف هنا؟
سامحنا يا صديقي، لا يمكننا أن نقول إننا سنخاف من سكاكين الخلافة ومن براميل الطاغية، أو من فتاوى الظلاميين، نريد أن نستمر كي لا يضيع حلمك وأحلامنا هباء، كي لا تضيع دماء شهدائنا. لن نقبل التعزية بك، لأن الدم بالدم، كما كنت تقول دائماً، ولأن الدم بالدم، ولأننا أولياء الدم، فسنأخذ ثأرك من قاتليك، لا بطريقتهم الإجرامية ولكن بأقلامنا التي كانت تخيفهم، بأن نفضح إجرامهم وكل ما يفعلونه باسم الدين أو باسم الوطن، فمن قتلنا باسم الوطن، لبس اليوم قناعاً ليقتلنا باسم الدين، لا فرق بينهما.
بعض صفحات التواصل الاجتماعي المحسوبة على النظام، وجريدة الديلي تيلغراف البريطانية عنونت: “إن داعش قتلت عدوها ناجي الجرف”، والحقيقة أن من قتله هو نظام المذكور الذي أدخل داعش من باب سوريا الخلفي كي تغتال الثورة، وتقتل أحلامنا، تماماً مثلما أدخل الآلاف من عناصر الميلشيات الطائفية، وسمح لقوافل “الجهاديين” أن تتوافد على سوريا كي تبدو ثورة السوريين الباحثة عن الحرية والعدالة والديمقراطية وكأنها بحث عن تحويل سوريا إلى أفغانستان جديدة. أحدهم يا صديقي ناجي، قال: “إن الديمقراطية بدعة”، فلماذا رحلت قبل أن ترد عليه؟ الآخر يا صديقي ناجي قال: “إن هذا الشعب السوري لا يستحق أن يعيش في دولة حرة”، لماذا رحلت يا ناجي قبل أن ترد عليهم؟ لماذا رحلت باكراً هكذا؟ كان عليك أن تكمل ما بدأته، كان عليك أن ترى سوريا حرة يا صديقي…
لكن لا تخف، الثورة مستمرة.. نم الآن في أمان يا صديقي، واعلم أن كلماتك لن تموت… وأن صوتك لن يسكت.
وداعاً ناجي الجرف
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث