عمّار الأحمد
الجهاد جزء من الدين الإسلامي، لكنه لا يقوى، ويشتد ويتّخذ طابعاً حربياً وفسطاطياً، ودار خير، ودار حرب إلا إذا أغلقت أبواب الأرض تماماً.
قويت، واشتدت الجهاديات مع زيادة الانهيار الاقتصادي للفقراء بشكل رئيسي، وزيادة الشموليات، وعادة ما تنتشر وتتعمّم في البلاد التي بلا أي تعليم، ويكون فيها التناقض مضاعفاً. ولذلك سادت في باكستان وفي أفغانستان.
وصدّرت المملكة السعودية المغلقة المغرقة في القمع والوهابية، عدة آلاف منها، وتنتشر فيها كثيراً، والتي يزداد فيها الكبت بكل أشكاله، ومنه الجنسي، ويغيب أيُّ حق للمرأة بما فيه قيادة السيارة، فيصبح الجهادي زاهداً في الأرض وذاهباً إلى الحوريات عندالله مباشرة.
في أوروبا، يزداد العزل والحجر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والسكن للأقليات الدينية، ومنها الإسلامية، فيزيد فيها التطرُّف بكل أشكاله. هذا العزل يتحدّد بعدم الاختلاط البشري، وعدم تعلُّم اللغة، وعدم وجود فرص عمل، وغياب التعلم، وسكن غير لائق، وغياب للخدمات، وتهميش متعّدد الأشكال، وفي هذا الجو بالضبط يقوى التطرف، ويدخل المال السياسي الجهادي والدعوات الجهادية، فيصبح الشاب ميالاً للجهاد وتحقيق كل أحلامه والرد على “كفر” الغرب و”عهر” الأنظمة العربية.
هي إحدى خاصيات الدين الإسلامي، فالجهاد جزء منه، ولكنه لا يظهر، ولا يشتدُّ إلا في الأزمات، ليتوضح لنا أن القضية ليست في الدين، وإنما في الواقع التي يغلق الأفق، فيأتي الدين بالحل. الدين لا ينطق، ومن ينطق باسمه يقع عليه دون شك أن يغير فهمه له بتغيُّر الأحوال، وبذلك يحفظ الدين جيداً، ويتصالح مع العصر؛ حيث التكفيريون وسواهم، يتنعمون بمنتجاته، ولا يمكنهم تطليقه، وهم جزء منه. وبالتالي يقع على الجهاديين والمؤمنين أن يتغيّروا بما يشجع كلّ الميول التفاعلية مع العالم؛ ومهما كان هذا العالم صادماً وقاتلاً وشريراً ومفقراً، فلا يمكن إلا بالوهم الانقطاع عنه. الانقطاع عنه ممكن فقط، ولكن بمشروع يتجاوز كلّ تقدمه الصناعي والديمقراطي والاجتماعي.
الدول الرأسمالية العظمى، والتي تحكم العالم برمته، بما فيه بلادنا العربية المخلّفة، وعبر برجوازياتنا المخلّفة والمتخلفة، ولن تكون إلّا متخلفة، هي السبب المركزي في كلِّ مشكلات العالم بما فيه القراءة المبتسرة للدين، وتحويله إلى جهاد وقتال. وهي سبب لأنها أدخلت البشرية بمشكلات كبيرة، اقتصادية حيث ملايين العاطلين عن العمل، واقتصاديات مدمّرة، وسياسية حيث زرعت إسرائيل، ووكلت إيران بالعراق، وجزئياً بأفغانستان وخلقت حزب الله في لبنان والآن تلعب دوراً في اليمن، ودعمت من كل الشموليات، من مملكة آل سعود إلى مبارك إلى زين العابدين إلى حافظ أسد. وبذلك تعاظمت المشكلة الطائفية، والصراع الديني العالمي. وهذا يتناسب مع إخفاقها في تأمين عمل لملايين الناس، وتحويل قارات بأكملها إلى مراكز نفوذ وأماكن لاستخراج الثروات والسيطرة عليها.
أن تشكو أوروبا من الجهاديين، كما تُصدّع رؤوسَنا نشراتُ الأخبار، وتخاف من عودتهم إليها، وتُجري المؤتمرات من أجل مواجهتهم، بعد أن تدفقوا إلى سوريا عبر تركيا وبعلم الاثنتين، هو عمل منحط بكلّ معنى الكلمة؛ فالجهاديون الأوروبيون هم جزء من أوربا؛ نعم جزء من أوروبا، فأغلبهم ولدوا فيها، ومن حقهم العودة إليها، هم مواطنون أوربيون، هذا أولاً، وثانياً ماذا فعلت أوروبا لمنع تدفقهم هذا؟ ونقصد لماذا سمحت لهم بالهجرة؟
ولن نستفسر ماذا قدمت للثورة السورية لتنتصر؛ فالدول الرأسمالية لا تنصر الثورات بل تحطمها، وهي شوهت الثورة السورية عبر هؤلاء الجهاديين، وعبر سياساتها للسيطرة على العالم.
السوريون لا يريدون الجهادية الأوروبية ولا العربية ولا الشيشانية، وكذلك جهاديي سوريا، وقد أذاقتهم كل أنواع الهوان والذل والقتل، وقد تظاهروا ضدها بشكل مستمر. هي تكمل ما يقوم به النظام، فتدمّر البلاد، وتقتل العباد لأتفه الأسباب.
أوروبا لا تملك حلولاً للجهادية، وقد جربت من قبل هي وأمريكا حلّ الحرب على الإرهاب، أي الحل الأمني، وهي الآن تسوّف باتخاذ إي إجراء سياسي، ولا أقول عسكري ضد النظام بحجة مقاتلته الجهاديين في سوريا، والنظام يعرف هذه الحجة، ويقدم نفسه كمحارب في تلك الحرب على الإرهاب. وبالتالي أوروبا الخائفة الآن، لن تتخذ أي موقف من النظام السوري، وهي من تركت النظام يقتل، ويدمّر سوريا لثلاثة أعوام متتالية، والآن دخلنا بالعام الرابع.
نقول لأوروبا خذوا جهادييكم، وللعرب كذلك خذوا جهادييكم، وليقيموا شرعهم الديني الخاص بهم ببلادكم؛ فالسوريون قادرون على إسقاط النظام بقوة ثورتهم. ورغم تعقد مشكلات الثورة، فإنّ أغلب تعقيداتها هي من هذه الجهادية بالتحديد. ويا حبذا أن تُبقوا المعارضة لديكم، فهي من برّر لهذه الجهادية. لن نقول الكلام ذاته لروسيا، فهي تضع نفسها مباشرة ضد السوريين، والسوريون سيعيدون لها جهادييها كذلك، وسيرسلون لها النظام الذي تدعمه كذلك؛ النظام الذي هو أس المشكلات كلّها.
وبكل الأحوال، أية قراءة للجهادية ستقول، لن تنتهي سوريا منها، ما لم تنتهِ من النظام، ومن المعارضة، وهذا غير ممكن قبل انتصار الثورة، والبدء بتشكيل سوريا كدولة لكلِّ السوريين.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث