*يارا جرعتلي
نايا (اسم مستعار) شابة من القدم (حارة نزلة
البارد) لها ثلاث أخوات وأخوان اثنان، مثلها مثل نساء سوريا الثائرات لم تكن أقل
حماساً، فلم تسمع بمظاهرة إلا وخرجت تشارك
بها طواعية وبكل جرأة ورغبة منها بالتحرر والعيش بحرية، فما كانت تملك سوى صوتها
أداة ترفعه لتنادي بالحرية، وكانت تخرج
بالخفية عن أهلها الذين يخافون على ابنتهم التي لم تكن حينها تبلغ 19 عاماً.
نايا لم تكن تخاف الخروج والمشاركة بالمظاهرات وحتى التشييع على الرغم من مقابلة
المظاهرة من الأمن بالرصاص والاعتقال وكانت تقول: إن الله من خلقني، وبيده قرار
موتي، ولا اعتراض على مشيئته.
بكل إيمان وبكل صدق تخرج نايا وهي على يقين أن
وساخة رجال الأمن لا حدود لها وإن أخذوها سيعذبونها بكل أنواع وأشكال التعذيب فهم
لا يفرقون بين امرأة أو رجل بالتعذيب أو حتى طفل والدليل ما قاموا به من تعذيب أطفال
درعا من ضرب وشبح وتقليع للأظافر. هم لا يخافون الله، تقول نايا.
تخرج نايا في المظاهرات، يسقط شهداء، وتخرج في
اليوم الثاني لتشارك بتشييع الشهداء، وكانت كل يوم عن يوم تزداد إصراراً على المضي
بالمشاركة بثورة شعبها، وهناك بالمظاهرة كانت تتعرف نايا على شباب سوريا الناشط
والمؤمن بقضيته، وتتعرف أكثر على الشعب السوري بفئاته من شابات وشباب وشيوخ ورجال،
وحتى الأطفال والجميع يخرج ينادي بحقوقه ومطالبه المشروعة بالعيش بكرامة.
تتابع نايا: تعرفت على أبو الليث ناشط من حي
القدم ولؤي أيضاً. عند هجوم الجيش على مظاهرة كان الجميع حاضراً بها، أطلقوا الرصاص
الحي على المتظاهرين، هربنا ودخلنا بيت أحد أقرباء أبو الليث، وهناك ونحن محاصرون
تعرفت عليهم شخصياً، وأصبحت أعمل معهم وأصبحوا يتصلون بي يخبرونني موعد المظاهرة،
والموعد البديل في حال الضغط الأمني على الموقع الأساسي للمظاهرة.
نايا لم تكن تخبر أحداً عن خروجها، لكن بعد هذه
الحادثة اضطرت أن تخبر أباها وهي كانت مترددة خائفة من أن يمنعها لكن الوالد
الحكيم بكل صدق أخبرها أن من حقها المشاركة بالثورة، وهو غير قادر على منعها لكن
الحذر واجب، وعليها أن تدرك الخطر المحدق
بها في حال أُمسك بها. لكنْ أخوها الأصغر سناً كان يعارض خروجها فهو يسمع عن ممارسات
رجال الأمن، ولم يكن يرغب بأن تتعرض أخته لأي موقف سيء.
في سياق الحراك والثورة، أصبحت تخرج نايا برفقة
شابات وشبان ثوريين يترافقون ويتهيؤون
للمظاهرة من أعلام ولافتات وحتى تصوير، كل ذلك جعل من نايا حديث المنطقة
المحافظة ويتناولونها إما إيجاباً من الداعمين للثورة الذين يرون عملها شيء جريء ويدعمون خيارها وإما سلباً من المحافظين
المتعصبين الذين لم يحددوا موقفهم بعد من الثورة،
فكيف فتاة مسلمة مثلها بالخروج وأن تفعل ما تفعله؟ وكيف لوالديها بالسماح لمثل
هكذا عمل مشين؟ كان خروج نايا عن المألوف وكان صدى صوتها بالحرية ليس بالحرية من
نظام بشار الأسد، بل من كافة القيود الاجتماعية التي تقيد بها الفتاة بعمرها في مثل تلك المنطقة
المحافظة المتشددة، أمراً مستهجناً، نايا كانت تعلم أن وقوف والدها لجانبها كان كافيا
لتستمر في نضالها السلمي وفي تكسير الأقاويل والثرثرات عنها. فهدفها أكبر من
الاستماع لمثل تلك الثرثرات والرد عليها.
فهي تخرج تسجل أسماء النازحين من حمص، وتقابل
النساء لعمل الاعتصامات المنزلية في
المناطق التي لا تستطيع بها النسوة المشاركة بالمظاهرة بسبب شدة القبضة الأمنية، وتساعد
بكتابة البيانات وإعداد التقارير وجمع الثياب والأغذية لتوزعها مع صديقاتها
للعائلات النازحة من حمص أو المناطق المنكوبة. لم تتردد نايا لحظة في تقديم أية
مساعدة على أي صعيد وهي تعرف أن ذلك واجبها وأقل من واجبها أمام كل التضحيات التي
يقدمها السوريون في جميع المناطق السورية الأخرى.
في أول رمضان من عام 2012 م اقتحم الجيش الأسدي
القدم ودخلوا بيوت الناس المدنية، أخرجوا شبانها ورجالها وحتى المسنين منهم، وأعدموا
الكثيرين منهم ميدانياً بكل وحشية على مرأى من أعين عائلاتهم المراقبة بصمت وحذر وأسى.
كانت نايا وأسرتها في حداد على استشهاد خالها البالغ
من العمر 28 عاماً، وكانت أم نايا في غاية الحزن والأسى على استشهاد أخيها الشاب
الذي لم يتزوّج بعد، وقد كانوا يبحثون له عن عروس, فكان عرسه الشهادة مثله مثل
الكثير من شباب سوريا الذي ضحى بحياته لأجل الثورة .
في هذه الأثناء دخل عناصر من الجيش الأسدي بيت
نايا وأرادوا إخراج الأب والابن الكبير لكن رفض الأم والبنات خروجهم،
وتمسكهن بهم وتشاجرهن مع الجيش جعل الضابط يأمر عناصره بتركهم، وبذلك قد
نجا والدها وأخوها، لكن بكل دم بارد أعدموا ميدانياً أكثر من 50 شخصاً من الحي
الذي تقطنه نايا مع أسرتها.
بعد ذلك أصبحت سلسلة التهجير وحتى النزوح من
القدم، فأخذت بعض اللجان الوطنية من حي (طلعة المؤيد) تدخل بيوت الناس التي نزحت
عائلاتها، تدخلها لتسرقها، وتقتل ما تبقى من عائلاتها في هذه الأثناء تحت إلحاح أم
نايا التي تخاف على أولادها وزوجها من
رجال الأمن والجيش الأسدي غادروا القدم، لكن لم تنتهِ معاناتهم هنا، لقد عادت الأم
ونايا إلى القدم وتركت زوجها وباقي أولادها في مكان أكثر أماناً وأمناً من القدم
التي أصبحت مكاناً لعصابات الأسد والشبيحة والجيش المجرم.
كان على أم نايا أن تعود إلى القدم، فوضعهم مثل
وضع جميع النازحين تنقصهم الكثير من الأشياء وخاصة وأن لديها أطفالاً صغاراً، عادت
لتجمع بعض الحاجيات لأطفالها من ألبسة وأغطية وغيرها، وهنا تأتي المأساة، ففي
بيتها دخل رجال الأمن يستفسرون عن تواجدها في المنزل دون إذن منهم، وكيف أن
المنطقة بالكامل أصبحت لهم، ولا يحق لأصحابها بالدخول، لكن يسمح بدخول الشبيحة
وعناصر اللجان الوطني، يسمح لهم الدخول لسرقة البيوت الخالية من أصحابها.
وجود أم نايا ونايا في البيت لا يسمح لهؤلاء
بدخوله وسرقة محتواه فإما يقتلوهما، ويسرقون إما على ضابط الأمن إخراجهما بالقوة
لتيسير الأمر أمام الشبيحة.
لكن الذي حدث أن ضابط الجيش لم يسمح للّجان
بالتعدّي عليهن، واكتفى بأن يخرجهما من منزلهما ويضعهما مع باقي العائلات التي
دخلت للقدم لنفس الغاية التي دخلت بها أم نايا.
بعد هذه الحادثة تحاول نايا ووالدتها مرة أخرى العودة لكن الزمن قد اختلف، ومن
يستقبلهما هنا ليس الجيش الأسدي وعصابته من لجان وشبيحة، فالمكان أصبح بعهدة الجيش
الحر الجيش الذي سيحميهما وسيدافع عن كرامتهما، ولن يسمح لأي كان أن يتعرض لهما،
ونايا تفرح بوجودهم ترغب بالمساعدة حتى ولو بإعداد الشاي والطعام لهم وكيف لا وهم أنفسهم
شباب من أهل القدم؟ تقدم العون قدر
المستطاع, لكن شدة الحصار تجعل الأم تأخذ موقفاً قوياً، فوابل الرصاص والقنابل
والهاون على المنطقة يهدد حياة الجميع بالخطر وعلى الجيش الحر أن يأخذ تكتيكه
الخاص. وهنا ستقطع نايا مع والدتها حارات القدم المهدمة والأبنية التي أصبحت أشباحاً
والجثث في كل مكان ورائحة الموت القريبة يصبح المكان خاوياً من أي حياة حتى الشجر
قُطِعت لا حياة سوى صفير كأنه أصوات الناس الميتة تبكي على روح المدينة المنتهكة.
نايا تعود مع والدتها مفجوعتين على أهل القدم
الذي استشهد قسم منهم والباقي مشردون لا مكان لهم. تعود بحكايتها ومرارتها على
شباب الجيش الحر الذين يرزخون تحت الموت والقصف اليومي. نايا مصممة على المضي،
وتكتب أشعاراً تنشرها وتشارك بحملات الإغاثة.
قلب أخت
نايا الصغيرة لم يتحمل مايجري ماتت أختها الصغيرة بعمر السنة والنصف وأخوها الكبير
اعتقل على حاجز للجيش النظامي وحجتهم إنه إرهابي وهو لم يبلغ ال18 من العمر ..نايا
مستمرة مثل كل فتاة سورية، شاهدت، وشاركت بالثورة، ولن تعود إلى الوراء رغم كل هذا الدمار
والموت لن تعود إلى الوراء لتحكمها عائلة آل الأسد وعصابته ستبقى تنادي وتصرخ
بصوتها حتى يتحقق النصر. فأملها كبير وثقتها بشباب الجيش الحر كبيرة، والفجر
القادم يحمل أحلام الناس سيحقق الثوار مرادهم بإيمانهم بقدرتهم على الصمود
وسيخلقون مستقبل أفضل لأطفالهم ..لا عودة إلى الوراء تقول نايا..مستمرون حتى النصر
أو الشهادة.” ربما كنّا من قبل آمنين في وطننا …لكن صدقاً”
طعم الموت في كرامة أطيب من العيش الذليل “من
كلام نايا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث