الرئيسية / Uncategorized / فرصة التكلم مع شخص يكاد يعود من حافة الجنون الابتسامةُ شكلٌ من أشكال المقاومة المدنية.. أبو حجر: فقدنا كلّ شيء إلّا الجنون

فرصة التكلم مع شخص يكاد يعود من حافة الجنون الابتسامةُ شكلٌ من أشكال المقاومة المدنية.. أبو حجر: فقدنا كلّ شيء إلّا الجنون

حاوره: غريب ميرزا
يحتل المجنون في وعينا الجمعي مكانةً لطيفة. هو المتسكّع في الشارع، خارج حدود الانسان، رغم أنه يمتلك جسده. هل يمكننا اعتبار الإنسان المجنون إنساناً؟ إلى أيِّ حد؟ 
المجنون لا معنى عنده للكذب أو الصدق. كلُّ أقواله هي أقوال مجنونة (لا صادقة ولا كاذبة ) لذلك هي مريحة جداً للبشر، إنها تعفي من الخطر الكامن وراء دلالاتها. هي النوع الوحيد من الكلام، الذي ينتهي فيه المعنى عند انتهاء لفظه. كلام المجنون.
أبو حجر
الثورة في بدايتها، ومازالت محمولة على التواصل الاجتماعي العالي، وهذا ما أتاحه الفيس بوك، أسماء الجُمَع التي كانت تخرج فيها المظاهرات، ظاهرة هامة جداً. لماذا سمّينا الجمع بأسماء؟
عندما يظهر في المدينة مجنون، لا نعود نعرفُ إلا أنه: هاهو ذا، اسمه كذا، من أين جاء اسمه؟ لا نعرف، الوعي الجمعي لنا ينسى. ذاكرة المدينة أو القرية هي التي أطلقت عليه هذا الاسم، وكأن المدينةَ كلَّها اتّفقت على إطلاق هذا الاسم عن طريق برلمان انعقد لفترة وجيزة. ثم ضاع أفراده المنتخبون.
عملية إطلاق الاسم على هذا المجنون، هي ذاتها تتكرر الآن بالسِّحر ذاته، برلمان منعقد، فيس بوكياً، في كل أسبوع لاختيار اسم للجمعة. إطلاق اسم ليوم، يشبه إطلاق اسم على مجنون. نحن نحوّل هذا الشيء اللامسمّى إلى امتلاك خاص بنا. 
المجنون يشبه ميتاً يمشي في الشارع. سيكون رائعاً أن نستطيع التكلم معه.
هذا ما قام به أبو حجر، استعار اسم مجنون من مدينة سلمية، على ما يبدو هو معروف في هذه المدينة. ارتدى قناعه، وبدأ حملته على الفيس بوك. استطاع خلال وقت قصير أن يجذب إلى صفحته العدد الكبير. 
الغريب في الأمر، كما أخبرنا، أن من كان يبلغ لإلغاء الصفحة في البداية أصبح، يرسل طلبات الصداقة إليه.
لقد انتصر المجنون، من سيغلب مجنوناً؟
حاولنا القيام بمقابلة مع “أبو حجر”، لم يخلع القناع أبداً. كانت فرصة أن نتكلم مع شخص يعود، أو يكاد أن يعود من حافة الجنون. (سيفقد الكلام أثره في الفصحى… لذا سأذكر الأفكار التي طرحها هذا المجنون)
أبو حجر يعتبر أن الابتسامة هي شكل أساسي من أشكال المقاومة المدنيّة، كلامُه السّهل المتناول، ولكن الإشكالي والصاعق أحياناً، باختراقه الفاضح للتابو، يثير ضحكة. وأن تضحك إنساناً في هذا الوقت العصيب، نجاح كبير في أن تقف في وجه الموت المستمر بلا توقف.
لماذا خترت المجنون؟ 
يقول أبو حجر: المجنون هذا الكائن الرائع، يتكلم على هواه، يطلق العنان للاوعي بشكل كامل، يتكلّم عن كل شيء يجعل الآخرين يخافون، كالخجل والخوف وغير ذلك. 
نلاحظ في جميع بوستات أبو حجر، أنه يستخدم الكلمات التي تخترق التابو فعلاً بثلاثيته: الدين، الجنس والسياسة. 
طبعاً الظرف الذي نمرُّ به، يكفل وحده تحطيم التابو، أمام الموت لا شيء يصمد. ما كان الناس سابقاً يخجلون من أن يظهروه، بدؤوا بذلك الآن، مثلاً التفصيل العلني للطوائف الدينية، ومواقفها، وتاريخها بدأ يطفو بشكل أساسي.الهجوم على الرموز الدينية، والسخرية منها، أو نقدها، أو وهو الأهم توجيه الأسئلة إليها، من المنتمين إليها أنفسهم، دون أن يقوموا بإنكارها، هو اختراق أساسي للتابو. 
إظهار الجنس عارياً كاحتجاج، أو فضائحياً، تراجُع قدسية البكارة أمام حالات الاغتصاب، أو الجوع القاتل… المرأة التي تترك زوجها لأنه جبان أو خائن، التعاطف مع عدد كبير من السوريات اللواتي اضطررن لممارسة الدعارة، وغير ذلك كثير..
مريم الفتاة التي “انتحرت” حرقاً بطلة، وليست منتحرة، ألا يشكّل هذا تكراراً للنواة الأولى للحراك العربي؟ أبو عزيزة.
هذا اختراق للجمود التشريعي الديني. 
عدم الانتماء لحزب أو لقيادة، الجميع يفجّر رمزية أية صورة لقائد أو شخص يطرح نفسه كقائد، يطالب بالإقالة، لم يعد أحدٌ ينتظر قدوم البطل الفرد، فجأة اكتشفنا أن البطل الفردي هو نسخة الديكتاتور.
هذه الاختراقات للتابوات، كانت الشرط الأساسي كي تخرج شخصية مجنون، تدير الحديث السياسي، والاجتماعي، والنقاش، وتطرح رأياً حول المستقبل، وتوجّه أسئلةً محرجة لهذا أو ذاك من القادة! 
في غير هذا الظرف لما كانت هذه الشخصية لتنجح.
من بين الكلمات التي استطعنا أن نستخلصها من أبو حجر، قصة رواها لي، عن أحد معتقلي الأخوان المسلمين في السجن السياسي حيث كان:
قال له هذا السجين: نحن –السنّة – اضطهدنا العلويين، واليوم هم يضطهدوننا، وسيأتي وقت نعيد فيه اضطهادهم.. ثم تعود الكرّة من جديد في حلقة مفرغة… إلى أن نقف وقفة شجاعة، وننسى أسى الماضي.
المتابع لبوستات ” أبو حجر” يرى أن هذا الخطاب هو خطابه العميق.
الخطاب العميق لأبي حجر
في أكثر من مكان، نجد أنه صرّح بشكل واضح عن رؤيته المستقبلية لسوريا: الحل هو الإسلام الليبرالي. والنموذج الناجح واضح أمامنا، ماليزيا وتركيا.
أحد أهم نجاحات هذه الطريقة التي اعتمدها هذا الشخص، السجين السياسي السابق، المتقمّص لشخصية أبو حجر، هو أنه سوّق لهذه الأفكار، كمُسلَّمات.
 أصبحت الفكرة الليبرالية، أولاً ليست تلك الفكرة الصافية المحلقة وحدها، بل على العكس هي المنظور الذي ينظر منه إلى الواقع. نستطيع أن نلمح هذا بوضوح في بوستات أبو حجر، هناك انقسام طائفي واضح في سوريا، وهو شعبي، وليس سياسياً فقط، اعتقد أن شخصية المجنون استطاعت أن توظّفه بطريقة هي الأكثر نجاحاً من جميع الخطابيين، مثلاً يقول: كن وطنياً ثم اختر الطائفة التي تريد، سوري إسماعيلي، سوري سني، سوري درزي… 
ثانياً: الفكرة الليبرالية هي أساس للنكتة التي سيطرحها هذا المجنون، لما نضحك فإن هذه الفكرة تدخل إلى نطاق قبولنا، إنها تضحكنا.
ثالثاً: أبو حجر السكير علناً، الذي يعشق النساء جداً، تمثله سجادة صلاة جودت سعيد وغيره، كما يقول. هو شخص يطرح الإسلام الليبرالي كحل. هذا الذي يبدو تناقضاً هو ما يمنح فكرته الليبرالية قوتها الحية.
ما الوطن أبو حجر؟
” طربيزة عليها مشروب عرق رديء النوع “سبيرتو” ودخان ….. لا يجبرك فيه أحد على الصلاة أو دخول حزب معين”
لماذا – قبل أن تكون أبا حجر – كنت معارضاً سياسياً ومن ثم سجيناً؟
هواية 
هذا هو الجواب. 
أثناء الحديث أردته أن يتكلم عن السياسيين السابقين، الذين انتهوا في السجن السياسي لسنوات. كنت أسأله أليسوا هم البديل لحافظ الأسد؟ لو لم يكونوا هم في السجن سيكون حافظ الأسد؟ لا نعرف حزباً سياسياً كان ذا مشروع ديموقراطي أو ليبرالي.
فما البديل؟ حافظ الأسد؟ أو السجناء السياسيون؟
البديل هو أبو حجر. المجنون – السجين السياسي السابق، هو حقاً البديل الأول الذي ظهر على الساحة السورية حتى الآن، لذا نقوم بالكتابة عنه في الصحيفة.
البديل السوري الوحيد حتى الآن
أبو حجر حقاً هو المشروع البديل الوحيد في سوريا.
رجل حقيقي مثقّف وذو مشروع سياسي سابقاً، قضى سنوات عديدة في السجن، يرتدي قناع مجنون. أبو حجر في بوستاته، يبرز قدرة فائقة على التقاط الأحداث القصيرة التي كان لها دور كبير في الحدث السياسي السوري، أو كانت شاهداً عليه، بالتوثيق أيضاً، هناك صحف عديدة لا تستخدم التوثيق. 
مثلاً، أحد بوستاته يذكر فيها كيف أن تجار دمشق بعد انقلاب حافظ الأسد، خرجوا في مظاهرات تأييد له، هاتفين: طلبنا من الله المدد فأرسل لنا حافظ الأسد.
هذا الحدث متروك للتحليل الشخصي لكل شخص.
هذا التناقض بين شخص قادر على التوثيق والتقاط القصص القصيرة، وتحويل العالم إلى مملكة خاصة فيه، عن طريق اللعب بالصور، الملك أبو حجر، والتحليل وذكر الحيثيات الدقيقة لحدث ما، مع قناعه المجنون، مع ألفاظه النابية والساخرة والمضحكة جداً، يجعل منه فكرة ليبرالية بحد ذاته. إذا أردتم أن تتعلموا الليبرالية اقرؤوا “أبو حجر”.
القناع 
كيف تعرف أن شخصيات تاريخية غيّرت التاريخ، كانت شخصيات حقيقية؟ هكذا يسأل. 
ويقول: موسى، محمد، ماركس…. ربما ليسوا أكثر من شخصيات وهمية مثلي، شخصيات مقنعة بالأحرى. 
كلام “أبو حجر” صحيح بالمعنى الرمزي العام، هذا أحد أسباب سحر هذه الشخصية.
قبل أن أقوم بالمقابلة (طبعاً ندمت على قرار المقابلة) شعرت بالخوف منه، لماذا؟
هذا هو سحر القناع الذي أجاده أبو حجر، القناع هنا، ليس حالة تكتيكية خوفاً من أن تعرف. القناع هو حالة لغز مثير، أن تحرّك الأشياء وأنت مختف ٍ وراءها. يصبح هناك ضمن تشكيلك لهذا القناع الملتصق بوجهك، وليس القطعة الخارجية التي تغطيه، يشبه ولادة ثانية للشخص، ولادة ذاتية هذه المرة، وبكامل الإرادة. لا يعود المعري قادراً أن ينسب الجناية على أبيه، لقد انتقم القناع لجناية الولادة، أنا ألد نفسي بإرادتي. 
أن تحاول التفاعل مع شخص، مقنع قناعاً عضوياً، يشبه الحديث مع ميت.
حسناً الآن يصبح القناع أكثر إغواءً، عندما يلتقي شخصان يرتديان القناع، جرّب أن تتحدّث مع شخص من مجموعة تعرفها جيداً، من خلف قناع صوتي ومرئي، ستعرف كم شخصية ستكون قد خلقت في اللحظة نفسها. وفي كل حديث تتحرك باتجاه من هو؟
وبما أنك تسأل بشكل جوهري ـ ظاهر أو غير ظاهر:  من أنت؟ تصبح اللعبة أكثر جمالاً، لأن الآخر المخفي، سيعمل دائماً على الجواب عن هذا السؤال. ربما تكون طريقة أبو حجر أفضل طريقة سايكودرامية للعلاج السلوكي.
السبيرتو
هذا مصطلح يستخدمه أبو حجر للدلالة على العرق ذي النوع الأكثر رداءة، ولكن في استخدامه لهذا المصطلح، مع التوثيق الرائع، لا نستطيع أن ننظر إلى السبيرتو إلا كالخمر الصوفي. ويمكننا أن نسميه  “سبيرتو ليبرالي”
أبو حجر هو:
شخصية افتراضية، تتقمص دور مجنون. 
هذا المجنون يتكلم بلغة المجانين، ولكن المحتوى ليبرالي عقلاني جداً.
لغة المجانين هذه، تبدو احترافية عندما نجد لدى صاحبها قدرة هائلة على توثيق قصص قصيرة، لكنها محركة للحدث السوري العميق. 
أبو حجر آلية عمل، ابتكرها صاحبها، ستكون مميزة لسوريا، مثل لعبة ماتريوشكا الروسية. 
هذه الآلية تشبه طريقة علاج بالسايكو دراما. يتقمص الشخص دوراً ما، ويترك العنان لعقله، يُخرج كلَّ الشياطين التي خاف منها.
مكنونات اللاوعي التي نخفيها، هي المسؤولة عن هذا القتل الجنوني. أبو حجر (الآلة اللاواعية) تسمح بخروج هذه المكنونات، على مبدأ الوحش في داخلنا كلما طمرناه أكثر في الظلام، وتجاهلناه أكثر، كلما أصبح أكثر قوة.
أعتقد إنه الخطوة الإبداعية التالية بعد لوحات كفرنبل. سنجد هذه الطريقة أخذت تتكاثر، كي تقتل الوحش الداخلي المتغذي من صمتنا الذاتي الخائف.
نختم بمقولته :
“هناك مني اثنان، وربما الكثير، فقدنا كل شيء إلا الجنون، نتسكع في زواريب اللاوعي، بحثاً عن ملجأ من شظايا الروح، أبعاضي وكلي، حجر على حجر على حجر”

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *