الرئيسية / رأي / الانتخابات والزعامات تحت المجهر

الانتخابات والزعامات تحت المجهر

نبيل شبيب 
ليست الانتخابات أو أيّ عملية اقتراع أو تصويت عمليّةً عشوائية في القانون الدولي، وتتحدّد مشروعيتها عبر نصوص المواثيق الدولية، بدءا بالإعلان العالميّ لحقوق الإنسان من عام 1948م، مرورا بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية من عام 1966م، وحتى بيانات مؤتمري حقوق الإنسان في فيينا عام 1993م، وفي نيويورك عام 1998م. 
وتقرّر المواثيق الدولية أمرين رئيسيّين، أوّلهما أنّ حقّ الترشيح وحقّ التصويت هما من الحقوق الأساسية الثابتة للإنسان دون تمييز، وثانيهما المواصفات التي تعطي عملية انتخاب أو استفتاء مشروعيّتها.
المحاور الرئيسية لهذا الشروط هي: 
(1) الصياغة القويمة، الدستورية والقانونية و(2) الضمانات والآليات التطبيقية، و(3) الالتزام أثناء عملية التصويت بتلك الصياغة والضمانات والآليات ومن ثَمّ بالنتائج مع الحرص على شفافيّة قابلة للاختبار. والحصيلة الملزمة هي: 
1- شمول عملية التصويت: أي تمكين جميع مَن يحقّ لهم الترشيح ومَن يحقّ لهم التصويت من ممارسة ذلك، فلا يُحرم منه أيّ فرد أو فئة، مثلاً عن طريق “قيود مسبقة” تؤدّي إلى الحرمان بدون وجه حقّ، أو عبر أساليب الضغوط والإكراه والقوّة.
في دول الاستبداد يتخذ الانتهاك صوراً عديدة أيضاً، منها ربط عملية الترشيح بإرادة استبداد عتيق قائم كما في سوريا، أو إخضاع قبول الترشيح لشروط تضعها سلطة استبدادية انقلابية جديدة كما في مصر.
2- الرقابة الحيادية: أي إجراء عملية الترشيح والتصويت تحت رقابة حيادية ومضمونة نزيهة، والحدّ الأدنى من ذلك -لا سيّما عند غياب “رقابة دولية حيادية ونزيهة”- هو أن يشارك في الرقابة مفوّضون “آمنون على أنفسهم”، عن كافة القوى السياسية في البلد، لا سيّما تلك التي تشارك في “التنافس” على أصوات المقترعين.
لا يتحقّق هذا الشرط إذا كانت الرقابة بمجموعها أو كان القسط الحاسم منها في أيدي السلطة الحاكمة، عبر وزارة الداخلية أو الحزب، ويسري ذلك بصورة أشدّ في حالة الاحتلال وما يشابهها مثل الإجرام الاستبدادي اليومي كما في سوريا.
3- غياب الإكراه والضغوط: ويعني هذا الشرط أن تجري عملية الترشيح والتصويت بكاملها دون أن يتعرّض من يحقّ لهم الترشيح والتصويت إلى أيّ عامل من العوامل التي “يمكن” أن تؤثّر بهم وتدفعهم في اتجاه لا يعبّر عن الإرادة الشعبية بحرية كاملة (ناهيك عن براميل التفجير وأخواتها والتشريد والتجويع والتعذيب!) .
من صور الإغراء والضغوط والإكراه التي تجعل التصويت باطلاً أن تقوم سلطة استبدادية بحملة اعتقالات في صفوف من يريد إسقاطها معتمداً على أصوات الشعب، أو “المحاكمات الصورية” لا سيّما القائمة على حالة طوارئ غير مشروعة، أو حالة انقلابية كما في مصر.
4- تكافؤ الفرص: أي توافر النصوص القانونية والتطبيقات التنفيذية والآليات العملية لذلك، فلا يكون مرشّح قادراً مثلاً على استخدام أموال الدولة وأجهزتها ووسائل إعلامها وقادراً على التحرّك بحريّة لفرض ما يريد قوله وبيانه وفعله، ناهيك عن أساليب الإغراء والترهيب، بينما لا يكون الآخرون المُفترض أنهم “ينافسونه على قدم المساواة” قادرين على شيء من ذلك كلّه. 
يغني عن التفصيل هنا متابعة مسيرة انتخابات مصرية أو عراقية في الوقت الحاضر، ولا نقول سورية، فحالتها لا تصلح أصلاً لأخذها مثالاً على “انتخابات”.
5- القضاء المستقلّ النزيه: إلى جانب شروط توافر الأرضية الدستورية والقانونية القويمة، والرقابة الحيادية، وحظر وسائل الإغراء والإرهاب والضغوط، لا تكتمل الشرعية لعملية تصويت ما دون وجود سلطة قضائية مستقلّة ذات سيادة.
لا يمكن تأمين هذا الشرط دون الأخذ بفصل السلطات، بحيث لا يرجع تشكيل السلطة القضائية ولا التحكّم بتبديل قضاتها وهياكلها إلى جهة من الجهات دون ضوابط كفيلة بالحفاظ على استقلاليّتها وضمان نزاهتها، ونرى ما يصنعه القضاء في مصر عبر توريث أوضاعه من عهد استبدادي مهترئ إلى عهد استبدادي يراد فرضه. 
ويجب التأكيد أيضا أن التصويت لا يوصل إلى صناعة الزعماء ولا يحوّل مَن اعتلى السلطة على ظهور الدبابات أو عبر نفق التوريث، إلى زعيم “وطني”. 
الزعيم الحقيقي هو القادر على ممارسة قيادة واعية لأمّة واعية، يرفض ما تريد رفضه ويقبل ما تريد قبوله، فلا يحتاج إلى فرض إرادته هو بالحديد والنار استبداداً أو استعانةً باحتلال. 
وهو القادر على إثبات زعامته مع كثرة الأكفاء حوله، وليس بتغييبهم ليبدو كبيرا -بمفرده- مهما صغرت قامته في كرسي الزعامة.
وهو القادر على توظيف الطاقات والإمكانات الذاتية لشعبه وفي بلده، لتحقيق أهداف الشعب ومصلحة البلاد، وليس لشراء ولاءات أو كسب تأييد دولي، ولاستئصال المعارضين سجنا وقتلا وقمعا وتشريدا وتحجيما.
ولا تُقاس قوّة الزعامة بحدوث “فراغ سياسي” بعد غياب “زعيم أوحد”، إنّما يقع ذلك هذه الأيّام نتيجة الخلط ما بين الزعيم والمتسلّط، وبين القائد والمستبدّ، وبين إرادة الشعوب وزيف الانتخابات والاستفتاءات، ونتيجة وصول الانحراف بكثير من الأصوات الفكرية والإعلامية، بعيدا عن طريق أمانة التوعية، إلى طريق تعميم النظرة المزوّرة عن “صلاح” المتسلّطين بمقياس المقارنة -مثلا- بين مَن يتقهقر ببطء ومَن يتقهقر بسرعة على منحدر التسليم تجاه عدوّ، أو مَن يصرّح -مثلا آخر- متبجّحا بالتبعية ويمارسها ومَن يمارسها ولا يصرّح بها متبجّحا، أو -مثلا ثالثا- بين مَن يعيد ومَن لا يعيد “قسطا” ممّا سبق أن اغتصبه وانتهكه دون حقّ، من حقوقٍ وحريات في بلده، وكأنّ أهله إماء وعبيد له، وله حق السيادة، ليمنّ عليهم بالقليل أو بالكثير من الحريّات، على حسب الدرجة التي يقرّر هو -بمنظار استبداده العقلاني المزعوم- أنّهم بلغوها من مستوى الرشد والتعقّل!!
مقابل ذلك غابت المقارنة الواجبة ما بين إنجازات حقيقية، على طريق تحرير الإرادة والأرض والثروات الذاتية من استغلال خارجي أو داخلي، أو على طريق تطوير أيّ ميدان من ميادين الصناعة والزراعة والبناء والنقد والتعليم فضلاً عن مناهج الحكم والسياسة، أو على طريق ترسيخ معطيات البحث العلمي والتقني وصناعة أسباب التقدّم والرقيّ، بدلا من مسيرة الارتباطات الأجنبيّة التبعيّة وغير التبعية، والنزاعات الحدودية وغير الحدودية، وسياسات الاستهلاك والتغريب (حتّى اللغوي) وتشريد الأدمغة والتخصّصات الوطنية وتوطين الخبرة الأجنبية، وتضخّم الأجهزة “الأمنية” والانحراف بالقوّات العسكرية وحتى الأجهزة القضائية.
إنّ هذه المعطيات -إلى جانب موبقات الاستبداد والاحتلال الأخرى- هي نقطة البداية للإصلاح والتغيير، وليست البداية بإجراء انتخابات واستفتاءات على أسس فاسدة. وللخطوة الأولى على هذا الطريق شرطان متلازمان:
أوّلهما الرفض المطلق لِما تعمل على فرضه قوّة التسلّط.
وثانيهما المطالبة بإصرار لا ينقطع بالتغيير بكلّ أبعاده وفي سائر ميادينه، فإذا اجتمع ما يكفي من الأصوات والجهود على ذلك، اكتسبت قوّةَ تيّارٍ ذاتي، يصنع التغيير، كما تشهد على ذلك أحداث التاريخ القديم والمعاصر، على صعيد الأمّة العربية والإسلامية، وعلى صعيد سائر الأمم الأخرى. 
. . .
إنّ قضية الحريات الأساسية التي وجد التصويت لتطبيقها، ليست مسألة منحة تعطيها السلطة أو تمنعها، وتمنّ بها على هذا الفريق أو ذاك، وإنّما هي حقّ أصيل للأفراد والفئات والمجتمع، ومصادرتها -وليس المطالبة بها- هي الجريمة الموجبة للحساب والعقاب، والمبررة للثورات.
ومن أخطر ما تُبتلى به الزعامات السياسية أن يتحوّل تقدير منجزاتها إلى تقديس، وأن تتحوّل أخطاؤها الكبرى إلى هفوات منسية، فالمنجزات ليست إلاّ جزءاً من الواجب الذي تحمل مسؤوليةَ أدائه تلك الزعامات عندما تحتلّ مناصب صناعة القرار، فإذا ارتكبت أخطاء كبيرة فقدت مسوّغ وجودها في المناصب التي تحتلّها مهما كان حجم منجزاتها، فكيف إذا كانت لا تنقطع عن ارتكاب الأخطاء بل الجرائم، وليس لها رصيد حقيقيّ من المنجزات!.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *