الرئيسية / منوعات / منوع / هدنة الجنوب… هدنة الموت

هدنة الجنوب… هدنة الموت

*صبر درويش

يجري الحديثُ اليومَ
بكثافة حول الصفقة التي يجري العمل عليها بين قوات النظام من جهة، وممّثلي
التشكيلات المقاتلة في المنطقة الجنوبية من العاصمة دمشق من جهة أخرى، وهي صفقة إن
تمت، فستكون واحدة من أكبر الصفقات التي عقدت مؤخّراً بين الطرفين (النظام
والمعارضة).

فقد جرت عبر الأسابيع
الماضية مفاوضات مطوّلة جمعت لجنة عسكرية رفيعة المستوى من نظام الأسد، وممثلين عن
التشكيلات العسكرية المتواجدة في المنطقة الجنوبية، حيث تم الاتفاق بحسب التسريبات
على انسحاب كافة قوات المعارضة المتواجدة في المنطقة والتي تضمُّ كتائب أبابيل
حوران، وجبهة النصرة، وأحفاد الأمويين وغيرهم، باتجاه محافظة درعا والقنيطرة، حيث
أغلب المقاتلين المتواجدين في المنطقة الجنوبية ينحدرون من هناك، وتكفلت قوات
الأسد بتأمين ممرات آمنة لعبور هؤلاء المقاتلين. وأما الذين لا يودون الانتقال إلى
درعا من المقاتلين فليس أمامهم سوى خيار أن يقوموا بتسوية أوضاعهم لدى أجهزة
المخابرات السورية، وذلك بعد إعطائهم وعداً بالتأمين على حياتهم.

وأياً تكن الأمور، فإن
الصفقة الجاري الحديث عنها تشكّل منعطفاً خطيراً في سيرورة الثورة السورية، فهي
تعني إن تمت فعلاً، أن قوات الأسد ستتمكن من تأمين الجبهة الجنوبية للعاصمة دمشق
بالكامل، وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار تأمينها لجبهة القلمون، فإن الضغط الذي
سنشهده لاحقاً سيقع على الغوطة الشرقية على وجه الخصوص، وبعض الجبهات الداخلية
كجبهة مدينة داريا القريبة من العاصمة، وجبهة المعضمية؛ وهو تحوُّلٌ خطيرٌ في
هيكلة القوات العسكرية للنظام، ستضع مقاتلي المعارضة أمام امتحان هو الأخطر من
نوعه.

من جهة أخرى، لم يتم نقاش
نقطتين أساسيتين في هذه الصفقة، وهما: مصير الناشطين المدنيين المتواجدين في
المنطقة الجنوبية من جهة، ومن سوف يفرض سيطرته على هذه المدن والبلدات من جهة
أخرى.

بالنسبة للنقطة الأخيرة،
يجري الحديث حول تشكيل لجان مشتركة، كما حدث في حي برزة تتألف من عناصر من الطرفين
المعارضة ونظام الأسد، بينما سيتم الاتفاق على منع تواجد السلاح في المنطقة
بالكامل وللأطراف كافة.

وأما فيما يخصُّ وضع
الناشطين السياسيين في المنطقة والمطلوبين من الأجهزة الأمنية، فلن يكون أمامهم
سوى خيار الرحيل مع القوات المنسحبة، أو سيكونون مجبرين على تسوية أوضاعهم، وفي
غياب أية ضمانات وأي طرف ثالث يلعب دور المراقب، فإن أغلب الناشطين يرون أنهم
وقعوا في الفخ، وأنه تم الغدر بهم، إذ تشير التجربة الطويلة مع قوات الأسد، إلى
أنها جهة غير موثوقة، ولا تلتزم بالتعهدات والمواثيق، وهو ما يجعل حياة العشرات من
الناشطين عرضة للخطر.

يقول أحد المقاتلين
المتواجدين في المنطقة: “هناك أنباء متواترة حول انسحاب قوات المعارضة في الأيام
القليلة القادمة نحو درعا والقنيطرة، وأنا لست من هناك، وحتى هذه اللحظة لا أعلم
بالضبط ما يتوجب عليّ القيام به: هل أبقى هنا وأغامر بحياتي أم أنسحب مع
المنسحبين؟” ويتابع بالقول: “نشعر بالخذلان، إذ أني لا أريد التخلي عن
الثورة التي خرجنا من أجلها، ولكن ما الخيارات المتاحة أمامي؟”.

في هذه الأثناء التي
“تتآكل” فيها جبهات العاصمة دمشق، تقوم قوات المعارضة بفتح جبهة جديدة
على الساحل السوري، مطلقة عليها اسم معركة الأنفال، ولا أحد
يعلم بالضبط كيف يمكن لقوات المعارضة أن تقوم بفتح جبهة جديدة، في الوقت الذي كان من
الممكن أن تؤازر فيه هذه القوات التي سقطت في مدينة يبرود قبل بضعة أسابيع، أو أن
تدعم جبهات العاصمة دمشق، وتفك الحصار عنها، وهي الجبهات الأهم على الإطلاق.

صفقة المنطقة الجنوبية
غير مطمئنة على الإطلاق، وهي تعكس الشرخ الكبير بين مجمل قوات المعارضة المقاتلة
وضعف التنسيق فيما بينها وهو واحداً من أهم العوامل التي ساهمت في خسارة هذه
القوات لمواقعها، من جهة، كما تعكس الشرخ بين القوات المقاتلة على الأرض والمعارضة
السياسية الرسمية من جهة أخرى، إذ يبدو أن كلَّ واحد يغنّي على ليلاه، والنظام على
ليله يغني.

لم تبدُ الثورة السورية
بخطر كما هو عليه الأمر اليوم، ففي الوقت الذي يهلل فيه الجميع لمعارك الساحل،
يعمل نظام الأسد على تقوية مواقعه في العاصمة دمشق، حيث تشير ممارسته على الأرض إنه
في حالة تمدُّد، ولا يشعر بالخطر من أية جهة كانت، وهو مؤشّر يعدُّ الأخطر من نوعه
عبر سنوات الثورة الماضية.

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *