الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / سوريا وخيار التخريب الإستراتيجي

سوريا وخيار التخريب الإستراتيجي

غازي
دحمان

لطالما
جرى اعتبار سوريا جزءاً من المنظومة الاستراتيجية الروسية، حتى بعد انهيار الاتحاد
السوفييتي، ظلت لروسيا مصالح إستراتيجية في سوريا تمثلت بمحطة طرطوس البحرية، في
الوقت الذي كانت فيه إيران ترسم واقعاً استراتيجياً جديداً عبر اختراقها البنية
السياسية والجغرافية السورية وصولاً إلى توظيفها في إطار المشروع الإستراتيجي
الإيراني الكبير لتثبيت حضورها الشرق أوسطي، عبر ا
بتداع محور” الممانعة والمقاومة” كغطاء إيديولوجي
وعنوان يساعد على إخفاء العديد من الأهداف الأخرى.

في
الواقع العملاني الحالي تعتبر سوريا جزءاً مهماً من الجغرافية الشرق أوسطية، التي
تهتم بها إيران وروسيا، اللتان تعتقدان أن ترسيخ السيطرة عليها، بعد أن تم انتزاعها
من مداراتها الطبيعية” العرقية والثقافية”، سيعمل على توسيع فضاءاتهما الجيوستراتيجية.

ويساعد على احتواء مناطق التخوم من الخليج إلى
تركيا، كوسائل لصنع تأثيرهما كقوى صاعدة في النظام الدولي، حسب تصوُّرات الأنظمة
السياسية فيهما، فالسيطرة على سوريا في هذه اللحظة الدولية تعني التأثير في النطاق
الشرق أوسطي، فضلاً عن أثر ذلك في قضايا الريادة والضرورات الاستراتيجية.

لكنّ
هذا الأمرَ وجد محفزاته نتيجة نمط التعاطي الانتهازي الأمريكي مع الحالة السورية
عموماً في اللحظة الراهنة، أو عبر التاريخ السابق، ذلك أن السياسة الأمريكية تجاه
سوريا اتبعت نهجاً براغماتياً بحتاً يقوم على احتواء سوريا سياسياً، وترك المساحات
أمام نظامها الحاكم لتحديد انتمائها الاستراتيجي، والسبب يعود في ذلك إلى حقيقة أن
سوريا بلدٌ في الحسابات النفعية الاستثمارية والتجارية غير مهم، أما من الناحية
السياسية فثمة أدوار مهمة فرضتها تطورات المنطقة الشرق أوسطية أتاحت لنظام حافظ الأسد
القيام بأدوار في إطار السياسة والتوجهات الأمريكية.

استفاد
نظام الأسد من هذه السياسة الأمريكية، حيث سمحت له بعزل سوريا عن العالم الخارجي،
وتحويلها إلى قلعة يمارس فيها نظامه ما يشاء، كما أبعد كل ممكنات التواصل والتفاعل
بين المجتمع السوري والبيئة العالمية، وما يحصل فيها من تفاعلات وتطورات في مختلف
المجالات، وخاصة في حقول التطور الديمقراطي والعملية السياسية، وهي الفترة التي أعاد
فيها الأسد تشكيل المجال السوري على مقاسه وأسس تضاريس الحياة السياسية وجغرافية
الواقع الوطني .

لكن
أيضاً هذه الحالة أنتجت مقابلها ظاهرة يمكن تسميتها ب” التخريب الاستراتيجي”التي يتأسس نمط الصراع فيها على قاعدة
تخريب المزايا الاستراتيجية لسورية ونزع كل عناصر التميز فيها، ليس فقط لكي لا
يستفيد طرف ضد طرف ولكن حتى لا تصبح نقطة قوة بيد الطرف الأخر يستثمر مزاياها في
صراعه، لذا تركت سوريا لحالة تدمير استراتيجي ذاتي لمقوماتها، سواء من خلال تدمير
البنية الاجتماعية والنسيج الوطني السوري، أو من خلال تدمير الركائز الاقتصادية
والحياة المدنية السورية عموماً، بما يجعل من سوريا بلاداً غير صالحة للاستقرار،
وهو المآل الذي خلصت له دول عديدة في إطار الصراع الدولي ، مثل أفغانستان
والصومال، التي خرجت من الحسابات الاستراتيجية العالمية بوصفها جغرافية سياسية رثة
وغير ذات قيمة.

ربما
من سوء حظ السوريين تزامُن ثورتهم مع حالة الفوضى الحاصلة في النظام الدولي،
وتغيير في إستراتيجيات التفاعل والانتشار الأمريكية، في هذه اللحظات عوّدنا تاريخ
العلاقات الدولية ذهاب بعض القوى الطامحة للحصول على مواقع أفضل في التراتبية
الدولية، إلى البحث عن ساحات تصلح كصندوق بريد لإيصال رسائلها للقوى الدولية الأخرى
والتي تنطوي على استعراض قدراتها والمصالح التي تبغي تحقيقها والفرص والمكاسب التي
تنتظر تحقيقها، والأهم من كل ذلك قدرتها على التأثير على مصالح القوى الأخرى
وإزعاجها، وذلك بالنظر للترابط العضوي والتأثير التفاعلي للأنظمة الإقليمية
الفرعية في النظام الدولي عموماً.

غالبا
ما تستخدم هذه الأطراف سياسات انتحارية يغلب عليها الخيار الواحد وهو التخريب إلى
أقصى حد لاعتقاد صناع القرار فيها بجدوى هذا التكتيك وفعاليته في لفت انتباه القوى
المستهدفه ودفعها إلى التنازل في ملفات وقضايا معينة، لا شيء يردع تلك القوى
الصاعدة، إذ غالباً لا تستند إلى تراث حضاري أو تهدف إلى ترويج نمط ثقافي أو
حياتي، وليس لديها استراتيجية متكاملة ورؤية واضحة لعملية انتشارها، فقط لديها أهداف
آنية وموضعية، لذا تتبع تكتيكات تتميز بالقساوة والتهور.

هذا
بالضبط ما فعلته كل من إيران وروسيا في سوريا، وخطأ الغرب الذي يرقى إلى حدّ
المشاركة بالفعل، هو أن ترك لهما الساحة يفعلان فيها ما يشاءان، إلى حدِّ التجريب
بالبشر والحجر، وما لم يطوّر الغرب استراتيجية واضحة تجاه تلك السياسات فإن سوريا ذاهبة
إلى سيناريوهات لا أحد يعلم طبيعتها ومداها.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *