في الوقت الذي اندلعت فيه الموجة الأولى من الثورات
العربية في أوائل عام 2011، بدا الرئيس السوري بشار الأسد
واثقاً من أن سوريا ستكون في مأمن من الاضطرابات، وقال إنه ليس وحده: وذلك خلال
اجتماع ضم عشرة من السفراء الأجانب بدمشق
في شهر شباط من ذلك العام الذي رفض فيه الدبلوماسيون دون استثناء التلميحات بأن
الاضطرابات الثورية في مصر وتونس قد تصل إلى سوريا.
حيث كان الاعتقاد بأن سوريا هي البلد الأكثر استقراراً
من الدول العربية الأخرى متجذراً ، إيماناً منهم بأن الأسد كان يحظى بشعبية كبيرة
نسبياً؛ فالمعارضة السورية لإسرائيل والولايات المتحدة لفترة طويلة أعطتها قوة
وشهادة بقوميتها، وكان الفقر المدقع فيها
أقل من مصر واليمن. وحتى الآن، ومنذ الشهر الذي اجتمع فيه السفراء، اندلعت
الاحتجاجات مجتمعة بسرعة حيث ردّت الحكومة على تلك الاحتجاجات بوحشية وعنف شديدين،
متعاملة مع المعارضة على أنها محاولة ثورية لقلب نظام الدولة، على غرار تمرُّد
الإخوان المسلمين في عامي 1979–1982 والتي أسفرت عن مقتل 20،000 شخص
في حماه.
يعتقد الكثيرون
بأنها كانت ردّ فعل مبالغ فيه من الحكومة التي كانت السبب في تحوُّل الاحتجاجات
إلى حركة التمرد. وكانت الحكومة قد زعمت منذ البداية، أنها تواجه تمرّداً إسلامياً
مسلحاً ممولاً من دول الخليج المتحالفة مع أجهزة الاستخبارات الغربية.
وباستعادة
للأحداث الماضية، نلاحظ أن ما بدا من تسارع مربك للأحداث ومواقف الحكومات الأجنبية
– وكثير من السوريين – هو تحوُّل من أقوال صعبة الحدوث إلى معالجة قضية رحيل
الرئيس الأسد، الأمر الذي بات مفروغاً منه.
مشيرين إلى الإطاحة بحكم رئيس ليبيا معمر القذافي سابقاً،
ولكن هذا كان قائماً على سوء فهم الوضع الأساسي في كل من سوريا وليبيا. حيث عُزِلَ
النظام الليبي دولياً، وكان سبب سقوطه الحملة الجوية التي نفّذها حلف الناتو،
وليست قوة المتمردين. بينما تحالفت سوريا مع روسيا التي وقفت ضد اتخاذ أي إجراء
مفوض من الأمم المتحدة، وإيران، والتي لم نشهد لها تحالفاً أكثر أهمية في العالم
العربي.
وبالرغم من أن عام 2012 كان عاماً حاسماً ، حيث استولى
الثوار على مساحات من الريف، وأحرزوا تقدُّماً في أجزاء من دمشق وحلب. ولكن بحلول
نهاية العام، كانت الحكومة مازالت مسيطرة على جميع مراكز المحافظات الـ 14 والطرق
الأكثر أهمية.
واحدة من هذه المحافظات المحلية ، هي الرقة، التي تقع
على نهر الفرات، والتي كانت قد وقعت تحت سيطرة الجهاديين قبل عام، ولكنَّ هؤلاء
الجهاديين لم يكونوا من الجيش السوري الحر المدعوم من الغرب، بل كانوا من الجماعات
الجهادية، وبخاصة الدولة الإسلامية في
العراق والشام (داعش).
فالجهاديون
كانوا أكثر تجسيداً بالنسبة لمصالح الحكومة التي ادّعت لفترة طويلة أن المعارضة
كان تسيطر عليها تنظيم القاعدة (تجسيداً لتشخيص نظريات المؤامرة في الشرق الأوسط،
كما ادّعت المعارضة أن داعش كانت متفقة مع الحكومة، مؤكّدة على وجود الكثير من
الأدلة التي تثبت ذلك، حيث أن الجيش
السوري وداعش نادراً ما يقتتلون مع بعضهم البعض).
وبحلول نهاية عام 2012 كان من الواضح أن المسلّحين لم
يتمكنوا من التقدم دون التدخُّل العسكري الأجنبي على نطاق واسع. ولكنّ الكثيرين
منهم، لم يصرّحوا بذلك حينها لأن قوات النظام انسحبت من المواقع النائية، ودعمت
سيطرتها على المناطق الاستراتيجية.
وكانت المشكلة
بالنسبة للمعارضة أن الغرض كله من تحركاتهم في الخارج كان لإثارة نوع التدخُّل
العسكري على غرار التدخل في ليبيا . لكن هذا لم يحدث، ولم يعد لديها أية خطة بديلة
للتراجع.
أما في الوضع الحالي، فالمأزق السياسي والعسكري في
تزايد. وإحدى هذه المشاكل التي تواجه محادثات السلام هو أن السلطة في سوريا تركز اهتمامها
بشكل كبير على الجانب الحكومي للرئاسة والأجهزة الأمنية. فأية سياسة
“انتقالية” تعني لهم تقاسم السلطة، وهذا ما يستحيل تنفيذه في الحكومة
المركزية نظراً لارتفاع نسبة عدم الثقة والكراهية. فتقاسم السلطة ليس ممكناً إلا
على أساس جغرافي، و كل جانب يسيطر على أراضيه حيث يكون الأقوى فيها.
فإذا فشلت المعارضة بالفوز في2011 و2012، إذاً: ما هي
فرص النصر للحكومة الآن؟ بالرغم من أنها تتقدم في مناطق مهمة مثل جبال القلمون على
الحدود اللبنانية، وفي حلب وما حولها، ولكنها تفعل ذلك ببطء شديد، وتجهد قواتها
فوق طاقتها. فالتكتيك الرئيسي هو عزل المناطق التي يسيطر عليها المتمرّدون وقصفها
بالمدفعية أو بالطيران، بحيث يضطر الناس إلى الفرار. وبهذا تكون الوسيلة لكسب قلوب
وعقول السكان، ولكن حتى الآن لم يتم العثور على المسلّحين للرد عليهم .
وتكمن قوة الحكومة السورية بأنها مازالت محافظة على
وحدتها، أما معارضيها فلا. خلافاً لما حدث في ليبيا، فقد كان هناك عدد قليل من
الانشقاقات على مستوى عال، وكان هناك أيضاً العديد من الفارّين من الجيش، ووحدات
كاملة لم تتغير بالنسبة للطرفين. ففي كثير من الثورات كان ينقسم جانب المتمردين
بعد النصر، ويتبع الحروب الأهلية. ولكن في سوريا المعارضة، القتال سبق الحرب الأهلية الدموية خاصة منذ 3كانون الثاني.
هذا ما أدى إلى تشويه سمعة كلّ المعارضة المسلحة و في أية
حال، من غير المرجح أن تسفر عن نجاح واضح.
وكانت المعركة بين داعش وبقية المعارضة المسلحة هي الخبر
السار للرئيس الأسد خلال الأشهر القليلة الماضية. لذلك، أيضاً، وهذا ما أجج النزاع
بين السعودية وقطر، اللتين كانتا الممولتين والموردتين الرئيسيتين للجهاديين. وهو
ما أضاف صبغة جديدة من التعقيد إلى النضال من أجل سوريا، ومنذ ذلك الوقت أعلنت
المملكة العربية السعودية بأن جماعة الإخوان المسلمين الآن، وجبهة النصرة وداعش هم
“الإرهابيون”، كما فعل الرئيس الأسد منذ فترة طويلة. فمن الصعب أن نرى
كيف أن السعوديين والأمريكيين تمكنوا من إنشاء جيش من الجهاديين القادرين على
محاربة كل من حكومة الأسد والمتمردين الجهاديين بنجاح.
والبقاء على قيد الحياة ليسهل الفوز بحدِّ ذاته. فلا
يزال الرئيس الأسد حاكم أرض خراب، وليس لدى النظام الموارد اللازمة لتحقيق انتصار
حاسم. لكن لم يكن للولايات المتحدة،
والمملكة العربية السعودية وتركيا وحلفائهم على استعداد لخوض حرب طويلة من أجل
استنفاذ الحكومة في دمشق، فلا يوجد أي سبب لوجوب
بقائه في السلطة.
بقلم : باتريك كوكبرن
14 شباط 2014
من صحيفة :الإنديبندنت
ترجمة : نهال عبيد
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث