الرئيسية / تحقيقات / يوم هتف الشعب: حرية

يوم هتف الشعب: حرية

صبر درويش – صدى الشام

في أواخر شهر شباط من عام 2011، كان بضعة شبان وشابات يشعلون بضع شموع في
ساحة باب توما وسط العاصمة دمشق احتفاءً بثورة تونس، ودعماً لباقي الثورات التي
اجتاحت مصر وليبيا واليمن؛ لم يكن أحد في تلك الأثناء يعتقد أو مجرّد يتخيّل ما
ستؤول إليه الأمور بعد عدة أسابيع، كان الزمن يتكشف عن مفاجآت ستغير منحى التاريخ
السوري بالكامل.

صباح الخامس عشر من آذار من عام 2011، سيخرج بضعة شبان وشابات بتظاهرة هي الأكثر
جرأة من نوعها، في واحد من أكثر أسواق دمشق اكتظاظاً، سوق الحميدية المعروف جيداً
لدى السوريين. بالقرب من الجامع الأموي سيجتمع بضعة شبان وشابات، وسينطلقون باتجاه
سوق الحميدية لينغمسوا بالازدحام ويبدؤوا بالهتاف “الله.. سوريا.. حرية
وبس”.

في تلك الأثناء هتفت مروة الغميان أولى هتافاتها وردد خلفها أصدقاؤها:
“يلي بيضرب شعبو خاين”، تردد صدى هذا الشعار في أنحاء البلاد كافة، حيث
سيتغير التاريخ السوري بعد هذه اللحظة، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ السوريين ستغير
عالمهم بالكامل.

الجديد الذي قدمته تظاهرة 15 آذار كان في كونها تظاهرة هتفت بشعارات تخص
الشأن السوري، فهي لم تكن تظاهرة تنادي بدعم أية قضية خارجية، كما كانت العادة في
تلك الأثناء حيث كانت تخرج تظاهرات داعمة للقضية الفلسطينية أو غيرها؛ ميزة مظاهرة
15 آذار في كونها انتهكت تابوات النظام الحاكم في منعه لأي شكل من أشكال التعبير
المجتمعي منذ أكثر من أربعة عقود، وعبرت عن جرأة منقطعة النظير، إذ من كان في تلك
الأثناء يعتقد بالقدرة على مجابهة نظام الأسد؟!.

لم تحتمل قوات النظام الفكرة في أثنائه، فانقضت قطعان الأمن والشبيحة على
المتظاهرين، وتم اعتقالُ أغلبهم، حيث زجوا في فروع الأمن المختلفة.

ولكن عوامل التغيير كانت قد بدأت، فخرج العديد من الناشطين السوريين في
اليوم الثاني، السادس عشر من آذار، بتظاهرة من أمام وزارة الداخلية في ساحة
المرجة، وأيضاً تم قمعها بشدة، حتى أن مفكراً كبيراً كالطيب تيزيني، تم الاعتداء
عليه، واعتقل هو ومجموعة من الناشطين كناهد بدوي الناشطة والمعتقلة سابقاً في سجون
النظام، والمحامية سيرين خوري وغيرهم العديد.

سيتكرر المشهد مرة أخرى في اليوم الذي يليه، وستخرج مظاهرة للمطالبة بإطلاق
سراح المعتقلين، وستقمع التظاهرة أيضاً، وسيعتقل العديد من المتظاهرين.

في الثامن عشر من ذاك الشهر، ستطلق مدينة درعا أولى صرخاتها الثورية، وستخرج
في مظاهرة حاشدة لتطالب بالإفراج عن المعتقلين الأطفال الذين كانت قوى الأمن قد
اعتقلتهم قبل أكثر من شهر من ذاك التاريخ، بينما ستخرج تظاهرة من قلب العاصمة
دمشق، من جامع الأموي تحديداً، وسيهتف السوريون لأول مرة بملء حناجرهم للحرية
والانعتاق. في ذلك اليوم ستقدم درعا أول شهداء الحرية.

وكالنار في الهشيم اجتاح الحراك الثوري مدن وبلدات سوريا الواحدة تلو
الأخرى، وتبارت المدن والبلدات في من أول من لبى نداء درعا للحرية.

كان المشهد السوري يثير الدهشة، يخرج المتظاهرون إلى الشارع، فيسقط منهم
الشهداء والجرحى، فيخرجون ثانية ليشيعوا شهداءهم، فيسقط شهداءُ جددٌ، ولم يبدُ أن
هذا القمع الذي بدأ منذ اللحظة الأولى لانطلاق ثورة السوريين وكأنه يجدي نفعاً،
وكأن قراراً جماعياً كان قد اتخذ في تلك الأثناء، بتفجير الطاقات الكامنة لدى
الأفراد، والخروج إلى الشارع شاهرين صوتهم ضد الطغيان، كان السوريون يحتفون
بعرسهم، ويؤسسون لمرحلة جديدة لا أسد فيها.

اليوم، وفي ذكرى العام الثالث لانطلاق الثورة، يبدو المشهد غاية في
القتامة، حرب لدود تدور رحاها على كافة الأراضي السورية، مدن مهدمة، وتكاد تخلو من
ساكنيها، والشعب أكثر من نصفه مُهجّر عن أرضه وعالمه، ولا بيت اليوم يخلو من شهيد
أو جريح أو مفقود؛ بينما مشاعر الغضب والكراهية فهي الشيء السائد بين السوريين.

نفّذ نظام الأسد وعدَهُ للسُّوريين حين قال: أنا أو أحرق البلد، وحرق
البلد، ودخل في تيه بات من الصعب التنبؤ بمآلاته، إذ لا يبدو من أفق واضح اليوم
لانتهاء معاناة السوريين، بينما رئيس البلاد يتهيأ في هذه اللحظات للترشُّح لدورة
انتخابية ثالثة، ويستمر حكمه على أشباح الشعب السوري المغدور.

لقد أسهم نظام الأسد، هو ولا أحد سواه، في إزكاء نار العنف التي راحت تتقد
في كلِّ خلية من خلايا المجتمع السوري، وأجبر السوريين على الدفاع عن أنفسهم ضد سوريين
آخرين، هم أخوة الأمس؛ وحرف نضالات الشعب السوري ومطالبه في الحرية إلى صراعات
تتمظهر بشكل طائفي حيناً وبشكل سلفي متطرف حيناً آخر. بيد أن إيماننا بهذا الشعب
البطل وبقدرته على وضع حدٍّ لجنون أبنائه يبقى هو الرهان الأخير.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *