عبد القادر عبد اللي
لعل التطرّف السياسيَّ أقدمُ من التطرّف الديني في التاريخ المعاصر، فالنازية والشيوعية الستالينية هما من أبرز أشكال التطرّف السياسي في هذا التاريخ. ولكن سقوط جدار برلين دوّر زوايا التطرف السياسي الحادة، وبقيت التنظيمات الشيوعية والنازية نوعين من التطرّف الهامشي غير المؤثر في الساحة السياسية على الصعيدين المحلي والدولي.
إزاء هذا المشهد برز تطرّفٌ جديدٌ، لم يكن مؤثراً سابقاً، وهو التطرف الديني. وأصبح من المألوف سماعَ أخبار العمليات الدموية بين أتباع الديانات، وبين تنظيمات مذهبية تدّعي الانتماء إلى دين واحد.
تركيا بلدٌ علمانيٌّ من الناحية النظرية من الناحية النظرية لأن الزواج الشرعي ممنوعٌ على المسلمين، وغير ممنوع على المسيحيين واليهود، من جهة أخرى تدفع “الدولة العلمانية” رواتب رجال الدين، وهناك مؤسسة تُدعى “مؤسسة الشؤون الدينية” تتبع رئاسة الوزراء، وهي مؤسسة إسلامية، وقائمة منذ عهد مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك. وحرية العمل السياسي في هذا البلد بلغت مستويات جيدة وهي بتحسُّن دائم لتبلغ معايير كوبنهاغن التي وضعها الاتحاد الأوربي.
بالطبع فإن الحرية السياسية صمّام أمان للتطرف، فمن لديه فكر عليه أن يطرحه، وهو يستطيع ذلك.
بعد هذه المقدمة الطويلة، لابد من طرح هذا السؤال: “هل هناك مؤشرات تطرف في الساحة السياسية التركية؟”
بمناسبة اقتراب الانتخابات يحتدُّ الصراع السياسي، وتُكال الاتهامات، وتصل إلى الشتائم، فهذا الأمر ليس مستغرباً في الديمقراطيات العالمية كلها، وكثيراً ما شهدنا على تضارب بالأكف والقبضات، وحتى بالأحذية أحياناً في البرلمانات نفسها، فكيف سيكون موقف هؤلاء السياسيين في ساحات الحشد الانتخابي التي يملؤها أنصارهم؟ بالطبع لا يمكن اعتبار الحدة في الانتخابات مؤشراً على تطرف سياسي، ولكن هناك أمرٌ آخرُ يظهر لأول مرة في الانتخابات التركية!
عادة ما يشكك الجميع باستطلاعات الرأي. فالحزب الذي تظهره الاستطلاعات فائزاً يشكك بأن الأرقام تظهره أقل من قوته الحقيقية، والحزب الذي تظهره هذه الاستطلاعات نفسها بالمرتبة الثانية أو الثالثة يعتبرها مأجورة من الحزب الذي تظهره فائزاً. وهكذا جرت العادة في الانتخابات كلها.
تشير استطلاعات الرأي بأنّ حزب العدالة والتنمية سيحصل على نسبة 43-44% مقابل نسبة 38,8% التي حصل عليها في الانتخابات البلدية السابقة، وبهذا يتقدم 4-5 نقاط، وأن حزب الشعب الجمهوري سيحصل على 29-30% من الأصوات مقابل 21% حصل عليها في الانتخابات البلدية السابقة، أي بتقدم 8-9 نقاط.
ويحظى حزب الحركة القومية 13-14% مقابل 16,1% حصل عليها في الانتخابات السابقة نفسها، أي بخسارة 2-3 نقاط… طبعاً هناك أرقام أخرى مختلفة.. ولكنها تحافظ على هذا الترتيب بزيادة ونقصان بضع نقط.
أنا لا أصدق هذه الأرقام، والأحزاب السياسية كلها لا تصدّقُها، لذلك تقوم الأحزاب نفسها بإجراء استطلاعات رأي خاصة بها من أجل أن تحدّد استراتيجيتها في الانتخابات، ولكن ما هو لافت، ويمكن تصديقه في هذه الاستطلاعات هو الرقم الخاص بالمترددين أو “الرماديين” الذين ليسوا مع هذا أو ذاك. فهؤلاء دائماً كانوا يشكلون نسبة كبيرة تتجاوز العشرة بالمائة، وكانت خطة الأحزاب السياسية خلال فترة الدعاية الانتخابية تستهدف هذه الشريحة تحديداً من أجل كسبها واستمالتها إليها، ولكن اللافت هذه المرّة غياب هذه الشريحة عن نسب استطلاعات الرأي العام حول الانتخابات، أو بلوغها مستويات متدنية جداً. ماذا يعني عدم وجود مترددين؟ أي أنه ليس هناك شريحة مستهدفة من الدعاية الانتخابية، لمن الدعاية الانتخابية إذاً؟ في هذه الحال لا يوجد جواب لهذا السؤال…
عندما يبلغ الانقسام السياسي أشدّه، ويصل إلى درجة غياب أي نقطة من نقط التوافق تحتد المقولات السياسية، وتغيب الشريحة الشعبية المترددة بين الأحزاب، إذ سيكون الجميع قد حسموا أمرهم إما مع هذا الحزب أو ذاك.
ولكن هذه الحالة خطيرة جداً، فأحزاب المعارضة تنسد الآفاق أمامها لتحسين وضعها السياسي، ولن تجد أمامها من طريق سوى النزول إلى الشارع في احتجاجات عبثية، وهذا ما بدأ يحدث في تركيا منذ فترة. إنّها احتجاجاتٌ عبثيةٌ لأن المشاركين فيها يمارسون حقهم الانتخابي بكلِّ حرية، ويراقبون الصندوق الانتخابي، ويستدعون من يشاؤون من منظمات عالمية لتراقب الصناديق، وعند أي تجاوز يمكنهم الاعتراض لدى المحاكم، وإن لم تحسم الأمر المحاكم الوطنية فطريق محاكم الاتحاد الأوربي مفتوحة لأن مفهوم السيادة لديهم لا يتعارض مع مفهوم العدالة ولا سيادة من دون عدالة.
المشكلة إذاً بمعرفتها أن الانتخابات صحيحة لا حيلة فيها ولا تزوير، ولا ترى العيب في نفسها، وفي طريقة قيامها بدورها المعارض.
من جهة أخرى فإن هذه الحالة تُشعر الحزبَ الحاكم بالقوّة، وبالتالي لن يخاف من النقد والاحتجاجات، ويمضي بسياسته دون رقيب تقريباً.
الخطر الذي تعاني منه تركيا ليس وجود هذا الحزب أو ذاك في السلطة، أو وغيره في المعارضة، إن الخطر الحقيقي هو غياب المعارضة السياسية الحقيقية التي تعيد الديمقراطية التركية إلى مسارها الطبيعي.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث