لا أحد اليوم يستطيع أن يفسّر تفسيراً مقنعاً الأسباب التي وقفت خلف تحويل
مخيّم اليرموك الفلسطيني إلى خط جبهة قتال بين كتائب المعارضة من جهة، وقوات
النظام من جهة أخرى.
ففي الوقت الذي كانت الحجّةُ وراء تحويل اليرموك إلى جبهة قتال تتبلور برغبة
قوات المعارضة “المرور” باتجاه عمق العاصمة دمشق، ستتكشف الأحداث أن هذا
“العبور” لن يتم وذلك رغم دخول قوات المعارضة وإحكام سيطرتهم على المخيم
منذ أكثر من عام مضى.
ترتصفُ مدنُ وبلداتُ جنوب العاصمة دمشق، بطريقة متداخلة يصعب الفصل فيما
بينها. يتوسّط مخيّم اليرموك المنطقة الجنوبية، ممتداً من حي القاعة الميداني
شمالاً، وحتى تخوم حي الحجر الأسود جنوباً، يقع شارع الثلاثين على طول المخيّم من
جهة الغرب، بينما يمتد مخيم فلسطين على طول الجهة الشرقية لليرموك.
تتداخل أحياء مخيم فلسطين مع أحياء
حي التضامن شرقاً وتلتقي عند بلدات يلدا وببيلا جنوباً، بينما يلتقي شارع الثلاثين
مع نهاية مخيم اليرموك وبداية حي الحجر الأسود؛ تلتقي بساتين الحجر وحيّ القدم
والعسالي مع بعضها لتشكل المساحة التي تقع خلف بساتين مدينة داريا.
وحتى بلدة الست زينب أقصى الجنوب،
تسمّى المنطقة هنا بالمنطقة الجنوبية، والتي يشكل مخيم اليرموك واحداً من أكبر
التجمعات السكانية فيها، كما يشكل واجهتها من جهة دمشق.
منذ بداية الثورة السورية في آذار 2011، شكل اليرموك عنصراً استراتيجياً
بالنسبة للأحياء المحيطة به، فاليرموك يعد واحداً من أكبر الخزانات التي ضمت عدداً
هائلاً من الناشطين على اختلاف اختصاصاتهم وانتماءاتهم. كما شكل اليرموك نقطة عبور
المساعدات الإغاثية الطبية والغذائية، باتجاه أحياء وبلدات الجنوب، ومن المعروف
أيضاً أن اليرموك تمكّن من احتواء قسم كبير من الموجة الأولى للنازحين، حيث وصلت
أعداد الأسر النازحة من مدينة حمص في بداية عام 2012 إلى الآلاف منها، أغلبها تم
تأمينه في اليرموك.
بعد منتصف عام 2012 بدأت قوات المعارضة إحكام سيطرتها على بلدات الجنوب
الواحدة تلو الأخرى؛ وحيث كان من الشائع في تلك الأثناء تسلح الثوار، بقي اليرموك
بمنأى عن هذا المناخ إلى حد ما؛ في أواخر تموز من ذلك العام كان أغلب محيط اليرموك
بيد قوات المعارضة، أما المخيّم فلم تتواجد فيه قوات النظام، بل كلفت قوات أحمد
جبريل القيادة العامة الفلسطينية مهمة السيطرة على المخيم.
مخيم فلسطين المتاخم لليرموك من جهة الشرق كان شبه خال من السكان، حيث كانت
تدور معارك عنيفة بين قوات المعارضة وقوات النظام في حي التضامن، كان أغلب حي
التضامن يقع تحت سيطرة قوات المعارضة، بينما قوات النظام تتمركز في شارع نسرين،
واحداً من أهم مناطق تجمُّع قوات النظام.
في حوالي شهر آب من ذلك العام كنت برفقة النقيب أبو جراح قائد إحدى الكتائب
التابعة لألوية الفرقان والتي كانت مرابطة في حي التضامن بالقرب من شارع دعبول،
كانت تجري تحضيرات لاقتحام شارع نسرين سابق الذكر، ورغم كل المحاولات التي جرت في
تلك الأثناء إلا أن قوات المعارضة لم تتمكن من اقتحام الحي والسيطرة عليه.
في تلك الأثناء تمكنّا من الالتقاء مع بعض قيادات أحمد جبريل، جمعني بهم
النقيب أبو جراح، والذين كانوا مسؤولين عن المنطقة التي تفصل اليرموك عن مخيم فلسطين.
التقينا بهم ليلاً في أحد المكاتب التابعة للجبهة الشعبية القيادة العامة؛ وجرى
حديث مطوّل بحضور عدد من قيادات الجيش الحر في أثنائه وقيادات محلية من تنظيم
جبريل.
كانت الحدود واضحة، ومتفق عليها بين جميع الأطراف، على قوات جبريل أن تبقى
متواجدة بعتادها الكامل في مخيّم اليرموك، وعلى قوات المعارضة ألا تتواجد بسلاحها
في المنطقة، لا حاجة للصدام بين الطرفين طالما الجميع يحترم شروط هذا الاتفاق غير المعلن.
أحد قيادات جبريل الميدانيين والمعروف بأبي سمرة يقول: “علاقتنا مع
شباب الجيش الحر طيبة، ولا يوجد خلاف بيننا، ونحن حياديون في هذا الصراع، همُّنا
حماية اليرموك، ومن جهة أخرى لا أحد من قوات المعارضة له مصلحة في دخول المخيم،
طالما أن المخيم يشكّل رئة المنطقة الجنوبية بالكامل، ونحن لم، ولن نغلق هذه الرئة
بوجه قوى المعارضة”.
والمدهش في الأمر، أن باقي الشبان من الجيش الحر كانوا في تلك الأثناء
متفقين بالكامل مع “أبو سمرة”، حيث كانوا ينظرون إلى اليرموك باعتباره
حبل النجاة للمنطقة بالكامل، وليس من مصلحتهم زجّه في الصراع طالما أنه لم يتحوّل
إلى طرف بعد، يقف بوجه تحركاتهم.
بالنسبة للشبان من القيادة العامة كانت تصوراتهم واضحة، إذ يقول أحد
الشبان: “تم توزيع السلاح على كل من رغب بحمل السلاح، وشجع أحمد جبريل على
ذلك، فكان يكفي أن تسجّل اسمك، وتوقّع على وصل استلام حتى يتم تسليمك بندقية مع
ذخيرتها” ويتابع الشاب بالقول: “نحن من المستحيل أن نرفع البندقية بوجه
المعارضة، فنحن مع الشعب السوري قلباً وقالباً، وحين يحين الوقت المناسب سنعلم في
أي اتجاه سنوجهها”.
وتغيّر الزمن، ودخلت قوات المعارضة مخيم اليرموك، وتحول اليرموك إلى واحد
من أكثر الجبهات شراسة، من اتخذ القرار ولماذا؟
يقول ثائر واحد من الناشطين في مخيم اليرموك: “وزّعوا
سلاحاً على كل من أراد، وصار هؤلاء اشي يبيع الذخيرة والسلاح للمعارضة المسلحة حول
المخيم، واشي صار يشتبك مع هاي المعارضة..فيما بعد انشقّ هذا السلاح عن أحمد
جبريل، وانضم الشبان إلى المعارضة المسلحة، فيما بعد رجع السلاح، وانشق عن
المعارضة المسلحة وانضم للذين يحاصرون المخيم (جبريل والنظام).السلاح كان فخاً، تعامى الجميع عنه، وحاول الكثير
تغطيته. وبالنتيجة المدنيون يدفعون الثمن، ويُحاصَرون بحجته.. السلاح كان ردّا على
“الملاذ الآمن”، وتحويل مخيّم اليرموك إلى ما يشبه حالة مخيم “عين
الحلوة”، عن سبق إصرار وتصميم“.
عملت جهات مختلفة على زج مخيم اليرموك في الصراع الدائر، وكان في مقدمتها
النظام وذراعه أحمد جبريل، وفي الوقت الذي كانت القيادات الميدانية التي كانت
ماتزال تتسم ببعض المصداقية من كلا الجانبين تنظر إلى اليرموك نظرة استراتيجية، وتسعى إلى وضعه خارج إطار الصراع، وترى في ذلك خياراً
استراتيجياً خسارته قد تكلف المعارضة غالياً، كانت هناك أطرافٌ من النظام ومن
المعارضة تدفع في الاتجاه المعاكس.
فنحن اليوم إذ ننظر إلى اليرموك
بعد أن تم تحويله إلى جبهة عسكرية نجد أن هذا الخيار صبّ بالكامل في مصلحة نظام
الأسد، إذ أدى تحويله إلى جبهة، إلى إحكام قوات الأسد حصارها على المنطقة الجنوبية
بالكامل، وذلك ما كان له أن يتم لولا زج اليرموك في الصراع، ومن ثم فرض الحصار عليه
وعلى محيطه بحجة وجود إرهابيين فيه. وهو ما سعى نظام الأسد إلى تحقيقه منذ
البداية.
والسؤال الذي يحمل إجابته في طياته: أليس زجُّ اليرموك في الصراع كان من
مصلحة النظام وأتباعه؟ أليست الأطراف التي قررت دخول اليرموك وتحويله إلى ساحة
معركة متورطة في هذا الخيار حد العمالة؟ في الحقيقة –وهي حقيقة مؤلمة بطبيعة
الحال- تكشفت الأحداث اللاحقة عن اختراقات خطيرة في صفوف الثورة السورية، أدّت
ممارساتها بالمجمل إلى زج الثورة والثوار ومعهم كل محيطهم
الاجتماعي في خيارات أقلّ ما يمكن أن يقال عنها إنّها جحيميةٌ.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث