رويترز – بعد المعارك
الطاحنة والتي مازالت منذ ثلاث
سنوات وبعد دمار أحياء بأكملها ونزوح أعداد كبيرة من السكان بسبب الانتفاضة على
حكمه، يستعد بشار الأسد بهدوء لإعادة انتخابه.
لم يعلن الرئيس السوري بعد إن كان سيرشّح نفسه لفترة
رئاسية ثالثة، وذلك في تحدٍّ للمحتجين ومقاتلي المعارضة والخصوم الغربيين الذين
يطالبونه بالرحيل .. لكن في المناطق التي تسيطر عليها الدولة من العاصمة دمشق تبدو
الاستعدادات لترشحه جلية وواضحة للعيان.
فالتجمُّعات العامة أصبحت منابر لحثّ الرئيس على ترشيح
نفسه رغم الحرب الأهلية التي أسفرت عن مقتل أكثر من 000،140 شخص، وتسببت في انقسام البلاد،
وقضت على أية فرصة لإجراء انتخابات ذات مصداقية.
كما وتنظم السلطات مجدداً المظاهرات المؤيّدة للأسد
والذي يتهمه معارضوه بارتكابه مذابح بحق
المدنيين. كما تشجع أصحاب المتاجر على إظهار تأييدهم من خلال طلاء واجهات محلاتهم
بألوان العلم السوري.
ويعبر البعض أيضاً عن ولائه بمظاهر عامة تنمُّ عن شعور
وطني بينما يدعو آخرون علانية الرئيس البالغ من العمر 48 عاماً لإعلان ترشحه في الانتخابات
المقرر إجراؤها بحلول شهر تموز.
فقبل 18 شهراً فقط بدا أن قبضة الأسد على
العاصمة بدأت تضعف بعد سيطرة المعارضين على المناطق المحيطة بدمشق. ومنذ ذلك الحين
عززت قواته سيطرتها بوسط سوريا. ولا يزال مقاتلو المعارضة يصرّون على رحيله كشرط
أساسي لإبرام أي اتفاق سلام لكنهم فقدوا قوة الدفع العسكرية التي تتيح لهم إملاء
الشروط.
وفي اجتماع عقد بجنوب دمشق الشهر الماضي لتكريم ضحايا
الحرب تحوّلت كلمات المسؤولين المحليين، ورجال الدين الحدث إلى منبر سياسي.
وبعد تسليم الهدايا للأرامل والثكالى في حي السيدة زينب
والذي كان قلب الهجوم المضاد الذي شنته قوات الأسد على مقاتلي المعارضة، انقلب
الأمر إلى مطالبة باستمرار حكم الأسد لفترة ثالثة.
وقد استعاد الشيخ الشيعي السيد فادي برهان كلمات للأسد
قال فيها إنه إذا كان هناك طلب شعبي له بالترشُّح فسيترشح، وإنه لن يتخلى أبداً عن
واجبه الوطني.
وتابع الشيخ قائلاً إنه لهذا يغتنم فرصة هذا التجمُّع
الغفير ليطلب منه ترشيح نفسه لفترة انتخابية أخرى.
وأيّد بعدها الحضور ولاءه وفرحه تعبيرا عن قبولهم بما
ذكره لكن أغلبهم كانوا من مؤيدي الأسد
مظاهرات الشوارع
ويتكرر المشهد في مختلف الأحياء الخاضعة لسيطرة الحكومة
في العاصمة مثل الأحياء التي يعيش فيها أسر رجال القوات المسلحة والعديد منهم من
الأقليات كالطائفة العلوية، والطائفة
الشيعية.
وعادت من جديد مظاهر المسيرات في الشوارع حيث يرفع
المتظاهرون صور الأسد ويلوحون بأعلام عليها صوره وإن كانت أعدادهم أقل من الآلاف
الذين خرجوا في عام 2011 عندما حاولت السلطات حينها الرد
على الاحتجاجات الضخمة المناهضة لحكم الأسد التي اجتاحت البلاد.
وهناك أيضاً حافلات المدارس التي تنقل الطلاب للمشاركة
في المسيرات، وهذا ما يثير انزعاج الآباء والأمهات الذين يشكون أنهم لم يتلقوا
خبراً مسبقاً بأن أبناءهم سيشاركون في تلك المسيرات.
وذكرت والدة أحد التلاميذ، والذي يبلغ من العمر 11عاما، “أنهم يحملون الطلاب في الحافلات، وينقلونهم إلى المسيرة وذلك في الحصة
الأخيرة من اليوم دون إخبارنا… رغم الخطر الشديد الذي يمكن أن يحدق بهم “.
وأضافت :”هم لم يخبرونا لأنهم مدركون أن معظم
الآباء لن يرسلوا أبناءهم للمدرسة في ذلك اليوم.”
ويبدو أن هذه التعبئة تهدف إلى تدعيم ما تؤكده الحكومة
من أن المواطنين يريدون أن يخوض الأسد الانتخابات.
ويقول وزير الإعلام عمران الزعبي إن قرار الترشُّح قرار
شخصي يرجع للأسد نفسه لكنه يؤكد أن الشارع السوري سيضغط على الرئيس لخوض
الانتخابات.
وتفتح التعديلات الدستورية التي تمت الموافقة عليها في
استفتاء قبل عامين الباب للمرة الأولى لخوض مرشحين منافسين الانتخابات أمام الأسد
إذا استطاعوا الحصول على تأييد 35 عضواً من البرلمان المؤيد للأسد.
وهذه هي المرة الأولى منذ أربعة عقود من الناحية النظرية
على الأقل التي سيتاح فيها للسوريين الاختيار من بين أكثر من مرشح بعد أن كان
الخيار الوحيد أمامهم الإجابة بالموافقة أو الرفض بعد ترشيح البرلمان للأسد ومن
قبله والده الرئيس الراحل حافظ الأسد.
وقال منذر أقبيق مستشار أحمد الجربا رئيس الائتلاف
الوطني المعارض إن سوريا لم تشهد انتخابات حقيقية منذ أن تولى حزب البعث السلطة
عام 1963 وإن أي انتخابات تجري في ظل
الظروف الحالية ستكون مهزلة.
كما وصرح أقبيق لرويترز في تركيا:”إذا كان يريد إجراء
انتخابات حقاً فستكون مسرحية ، بمعارضة مدبرة. وأي مرشح جاد من المعارضة سيقتل على
الفور إذا كان داخل سوريا. فمن يجرؤ على الترشح أمام الأسد؟”
هذا وكان قد أجرى الائتلاف جولتين من المحادثات مع
مفاوضي الحكومة السورية في مؤتمر جنيف لكنهما لم تسفرا عن أية نتائج. وتقول
المعارضة والمبعوث الدولي بأنه يجب أن تعالج المفاوضات مسألة هيئة الحكم الانتقالي،
وهي عبارة يرى فيها خصوم الأسد أن المقصود هو رحيله عن السلطة.
لكن المسؤولين السوريين استبعدوا احتمال تسليم السلطة
تماماً.
الانتخابات المستحيلة؟
ورداً على التعبئة المؤيدة للأسد بدأت في الأسبوع الماضي حملة على الأنترنت لترشيح زعيم المعارضة
معاذ الخطيب والذي يحظى بشعبية وسرعان ما جذبت تأييد عشرات الآلاف.
ونشر سوريون داخل المناطق المحاصرة الخاضعة لسيطرة
مقاتلي المعارضة ومؤيدون من بلدان بعيدة مثل استراليا وأوكرانيا صورا لأنفسهم
يحملون بطاقات تأييد للخطيب الذي كان خطيباً للجامع الأموي في دمشق.
ورحّب الخطيب المقيم حالياً في قطر بالحملة التي نشرت
على الانترنت، لكنه كرر اعتراض أقبيق على إجراء الانتخابات وسط الحرب الأهلية وتحت
إشراف حكومة الأسد.
وذكر في صفحته على فيسبوك إنه لن يعطي أية انتخابات
يجريها النظام شرعية أو ستاراً، لأن النظام لا يهدف إلا للحفاظ على وجوده.
ويبدو إجراء الانتخابات مستحيلاً في ظل وجود 2.4مليون لاجئ سوري في دول مجاورة، ونزوح ملايين غيرهم داخل سوريا وعدم سيطرة الأسد
على شمال سوريا وشرقها.
حتى في دمشق، لا يعتقد الكثير بأن الانتخابات ستجري.
وخلال مقابلات مع المدنيين قال مواطن سوري في وسط العمر،
يدعى سمير خلال غداء له مع أصهرته حيث تحول الحديث بهم إلى السياسة “سمعت بأن
الانتخابات ستؤجل عاماً أو عامين بسبب الوضع.”
وذكرت أيضاً مصففة شعر خلال زيارتها المنزلية لتصفيف شعر
زبونة “الدستور الجديد يحدد عدد الفترات بفترتين وهو أمضى فترتين، فكيف
سيترشح مرة أخرى.”
وفي معضمية الشام الخاضعة لسيطرة مقاتلي المعارضة، ردّد
أحد معارضي الأسد رأياً شائعاً فقال “الأسد سيعلن ترشيحه ليلة الانتخابات، وسيفوز
بالطبع لأن الناس في المناطق الموالية فقط هم الذي سيستطيعون الإدلاء بأصواتهم ثم
يقول ‘آه انظروا. الشعب يريدني”
ألوان العلم:
وفي المناطق التي تسيطر عليها الحكومة في دمشق بدأ
كثيرون يشعرون بالضغط لإبداء التأييد.
بينما يدور
أعضاء اللجان الشعبية من المدنيين الذين جندتهم الحكومة وأسلحتهم على دراجاتهم
النارية على أصحاب المتاجر مطالبينهم بطلاء الأبواب بألوان العلم السوري.
فقد قال صاحب متجر في حي ركن الدين وهو من أحياء الطبقة
الوسطى “طلبوا مني ومن المحال الأخرى في شارعي أن أرسم العلم على
الفور.” وقيل له أن المخالفة الأولى ستكلفه غرامة قيمتها 5000ليرة (30 دولاراً).
أما المخالفة الثانية فتقود صاحبها إلى السجن.
وقال مضيفا”طليت ألوان العلم في اليوم نفسه. فلا
أريد مشاكل.”
وفي الأحياء الراقية مثل الشعلان حيث تميل السلطات لعدم
إصدار أوامر مباشرة لأصحاب المتاجر والشركات الخاصة، لكن ضغط الشركاء له فعاليته.
فقد قال صاحب متجر “منذ أسبوعين جئت للعمل ووجدت
جيراني رسموا العلم أثناء الليل. فقمت برسم العلم أيضاً. لا أحد يجرؤ على المخالفة
“.
ومن أغرب مظاهر تأييد الأسد طواف سيارتين من نوع همر
مطليتين بألوان العلم السوري حول المدينة في ساعات متأخرة من الليل والموسيقا
تنطلق منهما بصوت عال تتبعهما مجموعة من السيارات تطلق زماميرها.
بل إن سيدة ألبست كلبها الصغير ، من نوع شيواوا، ملابس
مموّهة كالزي العسكري وخشي البعض أن تستاء السلطات من هذا التصرف.
لكن السيدة قالت “لا تقلقوا. عبرت به من عدة نقاط
تفتيش وقد أحبوه “.
بقلم : داشا أفاناسييف
6 آذار 2014
من صحيفة : لندن ديلي
ترجمة : نهال عبيد
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث