الرئيسية / Uncategorized / هل سنحصد (حرية) أم غنائم حرب؟ 1/3 الحرب ليست وسيلة وفيّة لسببها

هل سنحصد (حرية) أم غنائم حرب؟ 1/3 الحرب ليست وسيلة وفيّة لسببها

يخرج المغامر في مغامرته، فيسافر إلى جزيرة مجهولة كي يكتشفها، ويلتقط بعض الصور هناك، ثم يعود إلى بلده ـ بريطانيا العظمى ـ وبعدها ينشر الصور في إحدى أشهر الصحف. (هكذا كان يخطط) عندما يصل المغامر إلى الجزيرة، يفاجئه وجود سكان الجزيرة من البشر ذوي الألبسة الغريبة، وهم يمارسون طقوساً غريبة أيضاً. يندمج المغامر في الحياة الجديدة محاولاً اكتشاف السكان الجدد، وكلما قرر العودة يكتشف شيئاً جديداً، فيقرر البقاء وقتاً أطول. بعد زمن، يسأله أحد السكان “سؤالاً نبيلاً” ماذا تريد من هذه الجزيرة؟ فيجد المغامر صعوبة في إيجاد جواب. 
هل تحقق الحرب غايات نبيلة؟
الحرب قائمة الآن في سوريا، هناك طرف معارض يقول إنه يريد أن يحقق الحرية، وهناك آخر يقول إنه يريد أن يبني دولة إسلامية تحقق الخير للجميع، وهناك طرف يمثل النظام يقول إن هدفه أن يحارب الإرهاب، ويحفظ الكرامة للسوريين.
النتيجة التي نراها على الأرض بعيداً عن خطاب أي طرف كان، كيف نستطيع أن نحددها بدقة؟
لنبني مجموعةً من المشاهدات التي تعبّر عن الأحداث الجارية على الأرض، ولنتخيل أننا صمُّ، لا نستطيع أن نسمعَ أو نقرأ أيّ خطاب، فقط نرى على الأرض ما يحدث أمامنا. أي كي تبني هذه المجموعة تخيل أنك قمر صناعي، يصور ما يحدث فقط، لا يستطيع القمر أن يصور ما يحدث داخل الغرف المغلقة، ما يحدث هو:
(تدمير بيوت، هجرة، نزوح خارجي، قتلى، معذبون، مدن آمنة، مسلحون، مظاهر فقر شديد، بنية تحتية مدمرة، غابات محترقة، أسلحة واشتباكات ومعارك، جرحى ومشوّهون، حياة طبيعية في بعض المدن، حياة طبيعية في بعض المناطق التي تدمرت “أحياناً”) هذه هي الصورة الواقعية تماماً، هل يوجد شيء آخر؟ يمكن أن تضيف إذا أردت.
إن هذه الصورة “الصماء” تبدو مرعبة جداً، لأنها من غير معنى؛ تجعل الألم (الذي لا يمكن للقمر الصناعي أن يرصده) تافهاً، تضحية من غير مقابل، أو حتى إنه ليس تضحية بل نتيجة حتمية لشيء لا نعرف ما هو؟! 
لذا سيسرع أيُّ شخص يأخذ دور هذا القمر الصناعي إلى تحطيمه، واستبداله بسمّاعات كي يستطيع سماع خطاب هذه الكائنات على الأرض. أصبح من الضروري إذاً أن يكون لدينا خطاب، لسبب ما. هذا السبب تحدده المجموعة السابقة من الصور الواقعية على الأرض: ماذا لو كانت حياتنا ـحقيقةًـ من غير خطاب؟
ولأننا شرّعنا إذاً وجود خطاب لسبب ما ، سندعوه السبب “النبيل” ؛ فإنه بإمكاننا الآن أن نسأل سؤالنا “النبيل” الذي ينتمي بدوره للخطاب أيضاً:
هل تستطيع الحرب أن تحقق الحرية كما يقول خطاب المعارضة؟ أو محاربة الإرهاب كما يقول خطاب السلطة؟
إذا كان الجواب ممكناً، فهذا يعني أن سبب الحرب مرتبط في البداية بالنتيجة التي تريد أن تصل إليها. أي أن النتيجة التي تريد أن تصل إليها الحرب، هي ذاتها النقطة التي انطلقت منها. والحرب ما كانت، إلا لتوفر الشروط اللازمة لتحقيق السبب الأول. 
هل الحرب توفر الشروط الملائمة لإنتعاش الغايات النبيلة، حقاً؟
لا يمكننا أن نجيب بسهولة أبداً. 
يمكن أن نضع الحرب كظاهرة تعليلية في اتجاهين، الأول يجعل الحرب ـ كما كنا نتكلم خطابياً ـ أداة لتحقيق غاياتها النبيلة، أي إنّها لاحقة لسبب ما. سندعو هذا الاتجاه بالاتجاه اللاحق. الاتجاه الثاني يجعل الحرب سابقة على كل شيء، وهي كانت قبل كل شيء، وهذا يحيل إلى القمر الصناعي، نصور من غير أن نسمع الخطاب بداية. سندعوه اتجاه “فوكو”
الاتجاه اللاحق:
تشكل تبرير الحرب، بسؤال محوري بدأ مع عصر التنوير في أوروبا وحتى الآن: هل الحرب جزء من الطبيعة البشرية أم لا؟ هل الإنسان خير بطبعه أم لا؟ هوبز كان يقول إن الحرب (حرب الكل ضد الكل) هي القانون الطبيعي، في حين أن روسو كان يقول إن الإنسان خير بطبيعته، والحرب هي ناتج عن المجتمع. وبين هذين الحدين نجد الكثير من الطروح المختلفة. مع تطور علم النفس الجمعي، أصبحت الحرب عبارة عن تنفيس للعُصاب الداخلي في الجماعة، كي لا ينفجر باتجاه الداخل، تقوم الجماعة بتنفيسه نحو الخارج بشكل حرب. يمكننا أيضاً أن نضع مجموعة تعليلات للحرب تحت مسمى: القيم الجمعية النفسية (كالانتقام من جماعة أخرى، وتحقيق الكرامة للجماعة، واكتساب المجد الخاص بالجماعة أو تاريخها ….)  وبالسياق ذاته يمكننا أن ندرج فكرة الهوية، حيث يميل بعض الأنتروبولوجيين إلى اعتبار الحرب هي الدليل الأول على إحساس جماعة بهويتها. وهي بذلك شكل من أشكال التواصل المدفوع بالهوية الجمعية. 
هناك أيضاً إرجاع الحرب إلى تنفيذ لعقائد إيديولوجية، يتطلب تحقيقها القيام بالحرب، مثلاً مقولة النضال القومي لاسترداد الأراضي وتحقيق الوحدة القومية، أو المقولة الجهادية وغيرها. 
أخيراً، وهذا هو التعليل الأكثر رواجاً. وهو ما يمكننا أن نقول إنه توسيع جسد الجماعة. أي إنه إرجاع اقتصادي، الجماعة تريد أن تربح المزيد من الامتيازات الاقتصادية.
اتجاه فوكو:
فوكو في منهجه المعروف، ليست الحرب بالنسبة إليه ظاهرة مفاجئة أو مستقلة، إنها مجرد تكثيف لحالة هيمنة دائمة تتمثل بالسلطة. فالسلم الذي يرافق السلطة ليس حالة (لا حرب) إنه شكل آخر للحرب. وتأتي المعارك لتكثف هذه الحالة. وبالتالي الحرب مستمرة، ولكنها تأخذ أشكالاً عديدة منها السلطة ومنها المعركة والاقتتال. وبالتالي منذ البدء كان هناك حرب، والسبب ليس لأنه كان في البدء سيد وعبد، على العكس الحرب بدأت مع المساواة التي بدأت بها البشرية. فالناس كانت متساوية (أو هذه هي الحالة الأرومية) لذا كان كل طرف يخاف من الآخر وبدأت الحرب لكسر هذا التساوي، وخلق حالة هيمنة دائمة هي أحد تمظهرات الحرب. إذاً الكائن البشري كان في البدء مع (مساواة ـ حرب ) ولا يمكن أن نتخيل أحد هذين العنصرين دون الآخر.
هل نستطيع الآن الإجابة على السؤال؟ لا لأنه يجب أن نسأل السؤال الأهم: ما هي الغاية النبيلة؟
ما هي المصلحة العليا؟
حرب من أجل العدالة، حرب من أجل الحرية ضد المستبد، حرب من أجل حماية الشعب من الذل ومن الإرهاب. ويمكن أن نعدّدَ إلى ما لانهاية هذه المصالح العليا النبيلة، التي من أجلها تنشأ الحرب. تاريخياً لا يمكن أن نجد حرباً دون هذه المصالح العليا. الآلهة العديدة كانت يوماً ما حتى الزمن القريب، وحتى الحاضر أيضاً بالنسبة للجهاديين، هي المصلحة العليا التي تسبب الحرب، كل طرف يريد مصلحته العليا التي هي بالضرورة ضد المصلحة العليا للطرف الآخر.
عندما بدأ أسر العبيد من أفريقيا إلى الأمريكيتين، كانت المصلحة العليا هي : تنوير البشرية، وصدرت عدة مقولات كنسية تعتبر هؤلاء السود لا يملكون روحاً بشرية (وهو ما يماثل التكفير عند الإسلاميين، أو الاستبدادية عند الأمريكيين ولاسيما في عهد بوش)
هذه المصالح العليا تملك هذه الشروط كي توجد:
هي كائنات خطابية فقط، لولا الخطاب ما كان هناك حرب.
كل واحدة كي توجد لا بد أن لا توجد الأخرى.
لا توجد إلا بالمفاضلات الدقيقة بينها.
جميع هذه المصالح العليا، هي مفاهيم مجرّدة (عدالة، حرية، كرامة، ….) هذه المفاهيم المجردة كيف يمكن فصلها عن بعضها؟ إن كل منها لا يمكن تعريفه، أي إعطاؤه هوية، إلا من خلال الآخر. كل منها لا وجود له إلا داخل الآخر، لذا هي الآلهة الدائمة. نحن نحارب من أجل آلهة. 
المفاضلات
كي نحارب من أجل آلهة علينا أن نمنح (آلهتنا الخاصة ـ مصلحتنا العليا) ظلالاً. كيف تنشأ هذه الظلال التعريفية؟ عن طريق المفاضلات الدقيقة بينها، فالمصلحة الآلهة للطرف أ هي الحرية، لكن المصلحة الآلهة للطرف ب هي الكرامة والاستقلال. هناك انحراف بين هذين الكائنين المجرّدين، وهو الانحراف الذي يعطي كل منهما ظلالاً تجعله ممكناً كي تبدأ الحرب. من ناحية المنطق: لا يمكن أن يوجد أي منهما إلا ضمن الآخر، لذا تنشأ الانحرافات أو المفاضلات بالطرق التالية، بالخطوات المتتابعة:
التكذيب: باعتبار أن الطرف الآخر يمارس خطاباً مُموّهاً.
السببية: حيث إن المصلحة العليا لنا هي السبب لتحقيق المصلحة العليا للآخر، أي أنها الأم التي يجب أن تسترجع سلطتها الأولى، هذه السلطة التي تحاول المصلحة ـ الآلهة الأخرى أن تسرقها.
الاسمية: مع تقدم الحرب، تصبح الانحرافات عبارة عن أسماء تحدد كلَّ طرف من الآخر. أي اصطلاحاً كي ينتمي كل فرد إلى طرفه، لأن الحرب تكون حينها صارت لا خطابية، شيئاً موجوداً وحسب. وهكذا تكتسب الآلهة جسدها النهائي، وتفقد طبيعتها المجردة، ويتحول الخطاب إلى تكرار ضخم لها، لا يمس إلا طرفها دون أن يشكل هويتها. تصبح هي من يشكل الخطاب. وحينها لا يتكلم أحد عن تحقيق المصلحة ـ الآلهة، وإنما يصبح من الضروري أن تتكلم المصلحة ـ الآلهة عن ماذا ستكسب من غنائم الحرب. أي يصبح الخطاب خطاباً من أجل غنائم الحرب لا الحرية أو غيرها. 

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *