الرئيسية / منوعات / منوع / هذا ما جناه الفيسبوك على الثورة السورية

هذا ما جناه الفيسبوك على الثورة السورية

أركان
الديراني – دمشق

عبارات
طنّانة شهيرة تتردّد كل دقيقة على صفحات الثورة السورية على الفيسبوك، وعلى حسابات
بعض المنظّرين المشاهير ممن اتخذهم أنصار الثورة كمصدر رئيس للمعلومات والأخبار .

نجح
الإعلاميون في الثورة المصرية والتونسية وغيرها في توظيف الفيسبوك بالشكل الأمثل،
واستغلاله كوسيلة إعلام اجتماعي بشكل ممنهج،ومنظم، وذلك بالتعاون مع الشبكات
الاجتماعية الأخرى وعلى رأسها تويتر.

أما
في الثورة السورية، فصفحاتها على الفيسبوك تمارس كل شيء تقريباً إلا الإعلام،
وهناك مثالية مطلقة تكرّسها حسابات مثقفي الثورة على الفيسبوك، تسببت في خلق واقع
افتراضي معزول، وتعميق حالة الغفلة التامة عن حقائق الوضع على الأرض.

ففي حين تجتاح قوات الأسد المدن والقرى، تجد
النقاشات الثورية، وقد احتدمت على أشدها بين أنصار “الدولة الإسلامية”
وأنصار “الدولة المدنية” وكأن النظام قد سقط، وحسم الأمر وأصبح لدى
السوريين متّسعٌ من الرفاهية للخوض في هذه النقاشات.

في
الثورة السورية فقط، يحظر المثقفون بعضهم البعض على الفيسبوك، ويشن المنظّرون
والإعلاميون حروباً على بعضهم البعض، فهنا إعلامي يتهم آخر بتلقي الأموال من قطر،
وهناك صحفي يتهم ناشطاً بالعمالة لمنظمة “مجتمع مدني” ، وأما اختراع
القصص وتسريب المعلومات والاجتماعات، فحدّث ولا حرج،فهي المنشورات الأكثر إقبالاً
من قبل رواد الفيسبوك والأسرع نشراً، ولها الأولوية على الأخبار الهامة،
والتحليلات الرصينة .

في
عالم الفيسبوكالثوري، أتباع السعودية من الثوار لا يعملون “لايك” لمنشور
نشره معارض محسوب على قطر، وأما أتباع قطر فيسخرون ممّن تموّلهم السعودية، وفي
حالة ثالثة تجدأتباع إحدى المنظمات الأمريكية، وهم منكبّون على التشهير بنجم
فيسبوكي كبير تموله جهة أخرى والعكس صحيح.

فلهذا الإعلامي محبوه ومعجبوه الذي يظهرون إعجاباتهم
دون غيره، ويصدّقون كل ما ينشره فقط لأن
هذا النجم الفيسبوكي هو الذي نشرها دوناً عن سواه !

جهد
آخر ضائع يتمثّل في كثرة صفحات الفيسبوك الثورية المستنسخة ذات المحتوى السطحي
المكرر، والتي زاد عددها بحيث أصبح لكل مدينة،أو شارع مغسل دبابات خاص به، وعدسة
شاب خاصة به، وقناة جزيرة وعربية لكل حي في سوريا تقريبا، في حين لم يكلف الشباب
السوري نفسه بتعلم اللغات الاجنبية وتأسيسصفحات فاعلة مؤثرة لمخاطبة الرأي العام
العالمي بدلا من إضاعة الوقت والمال ونشر الخلافات والشائعات عبر الصفحات المكررة
والمستنسخة بلا فائدة.

وكثيراً
ما أدخل الفيسبوك لأنشر خبراً مهمّاً أو أنقل حدثاً طارئاً، فأجد الجميع منهمكين
بالإعجاب بمنشورات المنظرّين الكبار من قبيل
“صباح الياسمين الدمشقي” أو “أشتاق لقهوة دمشق”.

وكثيراً ما اشتكى لي إعلاميون عرب أن صفحات
الثورة السورية لا تحوي سوى المنشورات التنظيرية والأشعار، وإعلانات المؤتمرات التي
ستقام في هذه الدولة أو تلك، فضلاً عن تركيز قادة الإعلام الثوري على الحشد والتحزّب
وتكريس حالة من الانفصال بين أتباع الاتجاهات السياسية والفكرية، في حين يستمر
النظام بإلقاء البراميل وحرق المدن أثناء انشغال الثوار بالتنظير على الفيسبوك .

ومع
مرور الوقت، وطول أمد الثورة السورية، تبين أن الفيسبوكليس هو الوسيلة الأفضل
لتكوين الصورة الإعلامية الصحيحة عن الشأن السوري، فمن استلم زمام النشاط الإعلامي
الثوري على الفيسبوك هم في الغالب هواة قابعون خارج سوريا، ولديهم من الرفاهية ما
يكفي للتنظير وكتابة الأشعار الثورية، ونسخ ولصق الأخبار والإشاعات دون التثبت من
صدقها، وهو ما أوقع الإعلام المؤيد للثورة في مشاكل وإحراجات عديدة، وما حادثة
“انشقاق الشرع” عنا ببعيدة كمثال بسيط.

في
الثورة السورية فقط، مؤسسات وكتائب ليس لها وجود إلا على صفحات الفيسبوك، وصفحات
أخرى جمع أصحابها ثروات هائلة تحت شعار جمع التبرعات وإرسال الغذاء للمناطق
المحاصرة،
وأما الغروباتالفيسبوكية الخاصة بالهروب
والفرار من سوريا واللجوء والتأشيرات إلى السويد وأوروبا وكندا، فأغلبية أعضائها
هم من مؤيّدي الثورة، وقلّما تجد في هذه الغروباتشبيحاًواحداً أو مؤيداً للنظام.

أما
“نجمات” الفيسبوك الثوريات، فالحديث عنهن يطول،فهنا مئات الإعجابات من
أجل فستان ارتدته إحدى الناشطات وعليه علم الثورة، وهناك عشرات التعليقات من أجل
بيت شعر أو عبارة ثورية في منتهى الركاكة والسخف، ولكن لا بأس فقائلته هي الناشطة
المعروفة “فلانة” والتي لا يجوز الشك بولائها الثوري العظيم، وأما تلك
“الناشطة” التي أضاعت قطتها، فاستحقت بكل جدارة آلاف الإعجابات وحملات
الدعم والتضامن وإشغال الرأي العام الثوري بهذه القضية المصيرية!

ومن
البدهي، أنهلا توجد معايير موحدة للنشر على صفحات الفيسبوك، ولا هيئة أو مشروع
ناظم لعمل هذه الصفحات الثورية، ولا رؤية وموحدة أو مشروع ثابت ينظم عمل هذه
الصفحات والحسابات، ويبدو أن أمامنا وقت طويل حتى يقرر إعلاميو الفيسبوك تغطية
الشأن السوري بمزيد من الاحتراف والمهنية.

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *