تالا جابر
شاب في العشرينيات من عمره، اُعْتُقل من إحدى قرى السويداء (الرحا) على نية الانشقاق، والسبب رفضه العودة إلى جيش النظام، قرار دفع ثمنه حياته في سجن صيدنايا، وعائلته ليس فقط لم تحتج أو ترفع صوتها على عدم تسليم جثمانه، إنما تكتمت على نبأ استشهاده لأكثر من أربعة أشهر، إلى أن شاع الخبر استشهاده تحت التعذيب رغماً عنها.
ربما ما جرى مع أسرة الشاب الشهيد (إبراهيم زين الدين) كان مجرّد تفصيل صغير، لا يستحق عناء التوقُّف عنده في مجرى الأحداث المهولة التي تجري في سوريا، إلا أن حصوله في الجبل، الذي طالما تغنى أبناؤه بقيم مقاومة المعتدي وعدم السكوت على الضيم، والانتصار للحق، تشي بالمصير الذي آلت إليه قيم الأجداد (الذين واجهوا المستعمرين الفرنسي والتركي بفروسية نادرة) فالعائلة التي تجرعت “خزي” الصمت عما فعله النظام بابنها، لا يمكن قراءته بمعزلٍ عن مسار طويل أوصل بعض أبناء المحافظة إلى ما وصلت إليه.
الخوف من المعارضين
ولا ينفصل الأمس عن اليوم سوى ببعض التفاصيل، ففي عهد الأسد الأب وتحديداً في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كان للمحافظة حصةً من الاعتقالات التي لاحقت المعارضين في طول البلاد وعرضها، حيث اعتقل العشرات من أبنائها غالبيتهم بسبب انتمائهم لأحزاب معارضة، أودعوا في فروع الأمن ليمضوا سنوات اعتقالهم الباقية إما في سجن صيدنايا أو في سجن تدمر.
وحين كان يخرج معتقل في أية محافظة أخرى غير السويداء، فإنه يستقبل استقبال الفاتحين، حصل هذا في مدينة مثل السلمية ودير ماما واللاذقية وغيرها، وبالمقابل فإن فرح العائلات بخروج أبنائها في السويداء كان يبقى مكتوماً وخجولاً صامتاً، لا أحد يتجرأ على الاقتراب أو إعلان مظاهر احتفالية، ويتسلل “الأبطال” منهم ليباركوا للمعتقل بالخروج سالماً، وبصمت دون أية كلمة تدين اعتقاله خوفاً من تقريرٍ من هنا واستدعاءٍ أمنيٍ من هناك.
الاستكانة والخوف من “كتيبة التقارير”، وسلطة البعث تحوّلت إلى ما يشبه الثقافة العامة، في بيئة مفقرة يعاني معظم أبنائها من القلة وضيق الحال، ما دفع الكتلة الكبيرة منهم للارتباط بمؤسسات الدولة، حيث شكلت الوظيفة المصدر الوحيد لمعظم العائلات في مختلف المجالات الخدمية والتعليمية، الوظيفة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بشق النفس وعبر مؤسسات الأمن والبعث وتقديم فروض الطاعة والولاءات.
السفر والهجرة
المنفذ الآخر لتفادي الجوع هو السفر، يقدر ناشطون عدد الشباب محافظة السويداء الذين غادروا إلى دول الخليج فقط بنحو ستين ألف شاب، فالذي يريد أن يبني بيتاً أو يريد الزواج لبناء أسرة، عليه أن يقضي نحو نصف حياته في الاغتراب، في دول الخليج أو في الأردن أو لبنان وغيرها، وبالنهاية عليه أن يعود إلى حظيرة النظام، باحثاً عن فرصة صعبة كفتح محل سمانة أو ورشة صغيرة.
هذا عدا عن الهجرة الكبيرة إلى أمريكا اللاتينية (فنزويلا تحديداً) حيث تجد عائلات بكاملها مهاجرة إلى تلك الدول، والجيل الأول منهم تحسنت أحوالهم وفضل معظمهم الاستقرار هناك، ولا تربطهم بسوريا سوى منازل مترفة مهجورة، ولا يوجد بينهم وبين السلطة إلا ما هو شكلي من خلال نشاط حزب البعث الذي يتبعهم حيث يذهبون، وهم يحتاجونه من أجل تجديد جوازات السفر ومعاملاتهم الإدارية ليس أكثر.
والتطوُّع لتفادي الجوع
حين تطوّع أحد أقربائي في الجيش وهو شاب في مقتبل العمر، سألته عن السبب، فكان الجواب حاضراً، “كي أنقذ عائلتي من الجوع”، لديه خمسة أشقاء وشقيقات أصغر منه ووالده موظف بالكاد يكفي راتبه لشراء الخبز.
قريبي ليس حالة نادرة، فالفقر والإهمال الذي عانت منه المحافظة طيلة عقود، دفع الكثير من أبنائها إلى التطوُّع في صفوف الأمن أو الجيش أو الشرطة، فبعض القرى وصلت نسبة المتطوعين من شبابها إلى 90 بالمائة، بينما وجد “العواطلية” طريقهم للاسترزاق من خلال “كتابة التقارير” مقابل خمسين ليرة لكل تقرير، حتى لو كانت الضحية أمَّه، وهذا ليس كلاماً مرسلاً، لأن حوادث عديدة من هذا النوع حصلت بالفعل.
حادثة لا أعتقد يمكن أن تتكرر إلا في عهد نظامٍ كنظام الأسد، فأحد كتبة التقارير في قريةٍ تدعى “الصورة”، زار والدته العجوز، التي وبسبب البرد القارس، اضطرت لسؤال أهالي البلدة إن كان يمكن لأحدهم الاستغناء لها عن “صوبيا”، وتصدى لهذه المهمة مدير المدرسة وأعطاها إحدى “صوبيات” المدرسة التي جرى تنسيقها، وحين استغرب الولد وجود الدفء عند والدته، سألها عن مصدر “الصوبيا”، وأخبرته: “جازاه الخير أعطاني إياها مدير المدرسة”، وما كان من الولد الشهم إلا رد الجميل، بكتابة تقرير عن مدير المدرسة خائن الأمانة الذي يوزع المال العام العائدة للنظام الدولة يميناً وشمالاً.
الأسد والأطرش
في خطوة لها دلالاتها، لم تسجل للأسد الأب إلا زيارة واحدة للسويداء أتت بعد وفاة سلطان باشا الأطرش قائد الثورة السورية الكبرى”في العام 1982″، تنفس الأسد الصعداء فهو يدرك بحسه السلطوي أن على أرض الجبل كان يوجد من لا يستطيع منافسته، وبالتالي تجنب أي احتكاك مباشر بالزعيم الثوري “الهرم” لأبناء المحافظة أثناء حياته.
في حين قام الأسد الابن بزيارتها قبل وقتٍ قصير من إعلان درعا اندلاع الثورة، في دلالة لخوف مستبطن من أبناء الجبل، ما يدل بأن الصورة المتخيلة من التاريخ ظلت تفعل فعلها في رموز السلطة، رغم كلّ التدابير والسياسات التي مورست لإفراغ مضامينها التاريخية لقيم أبناء المحافظة.
في زمن الباشا سلطان لم يتجرأ الأب على وطء أرض الجبل، ربما ليس فقط لأهمية الرجل بين قومه، بل لمعرفة الأسد أن رجاله اغتالوا، واعدموا العديد من ضباط الجبل وأن الأطرش لن يغفر له.
لكن الزمن تغير والرجال باتوا غير رجال، لتكون زيارة الأسد الابن للسويداء رسالة الخائف الذي يريد أن يدفع خوفه بالقول أن لنظامه في السويداء عزوةً وحضوراً.
رسالتان متناقضتان تحملان مدلولاتٍ عن حالة القطيعة بين زمنين، فما يتغنى به أبناء الجبل اليوم من قيمٍ وأمجاد أسلافهم، لا تبدو حاضرة إلا في الأهازيج الثورية المعادية للذل، ويبدو استبطان الثورية في الأقوال لا في الأفعال عبارة عن حالة تنفيسٍ وتعبيرٍ عن رغبات لا يعكسها الواقع العنيد.
استخدام ضباط السويداء
نجاحات النظام عززها اختراق هذه المحافظة أمنياً، وتجنيد أبنائها خدمةً لمصالحه، واستخدم بعضهم لتكريس الطائفية في البلاد، فالزمن يمتد من نايف العاقل الرجل الذي كان بطلاً وطنياً في السبعينيات “أول من رفع العلم السوري على مرصد الجولان”، وتحوّل إلى أحد صقور عمليات اقتحام حماه في الثمانينيات، إلى عصام زهر الدين الضابط الذي كان مغموراً قبل الثورة، ويتواجد اليوم في المقدمة لقمع المدن الثائرة من الطائفة السنية في حمص وحلب ودير الزور وغيرهما.
المشايخ بين زمنين
يعتقد بعض أبناء الجبل بأن كلمة واحدة من المشايخ “يا غيرة الدين” كفيلة بإشعال روح الثورة في أبناء الجبل، لكن يقلل آخرون من المبالغة في دور رجال الدين المتهمين بولائهم للنظام وإن بدرجات تبتعد، وتقترب وفقاً لحوادث طارئة، لكن خطها المحابي للسلطة لم يتغير كنهج عام.
وموقف مشايخ الدين اليوم يحيلنا إلى مقاربة طالما يذكرها ناشطو السويداء، ففي أول انطلاق ثورة الجبل على المستعمر الفرنسي، قام المشايخ بهدر دم سلطان باشا الأطرش، إلى أن انضم لثورته عموم الجبل، وأصبح حالة ثورية شعبية لا يمكن الوقوف بوجهها، فغالباً ما كانت السلطة الدينية إلى جانب السلطات، فرغم تجاوزات الجهاز الأمني على مشايخ الجبل خلال الثورة إلا أن أحداً منهم لم يشأ أن يدخل في مواجهة مفتوحة مع النظام تحت حجة عدم إقحام المحافظة في صراعٍ دموي، سواء استخدم هذا كذريعة، أو خوفاً على المحافظة من مصيرٍ مشابهٍ لباقي المحافظات.
وتنكفئ المحافظة اليوم على ذاتها، بسبب هواجسها المتعلقة بذعر الأقليات من حكم الأكثرية، مستعيدةً شعاراتٍ لم ينطق بها الشارع السوري إلا في زمن البعث وضمن مناطق محدودة “الدرزي ع التابوت والمسيحي ع بيروت”، خاصةً وأنهم لم يجدوا من يساندهم في انتفاضة الجبل عام 2002، حين سلح النظام البدو لمواجهتهم، ويبدو الجبل بيئةً خصبةً لانتشار شائعات النظام المتعلقة بأداء الثوار على الأرض والتي تزيد من ذعر الأقليات وتدعم هواجسهم تجاه الثورة.
لا ثورة في السويداء
رغم التضحيات والاعتقالات الموت تحت التعذيب والدور النشط لعشرات الشبان والشابات، واحتضان اللاجئين واستشهاد العديد من الشباب في مواجهة النظام غير أن الحراك في المحافظة لم يكسر حاجز الخوف الذي ظل حالة عامة تسيطر على موقف الأغلبية.
ورغم تضخيم بعض الحوادث ووصفها بأنها ستكون القشة التي ستقصم ظهر البعير، لكن انتظار بركان المحافظة يبدو طويلاً، فالمحافظة لم تستطع احتضان مظاهرة، وتجري مواقف تشييعٍ خجولة لشهداء التعذيب الذين قارب عددهم العشرين، ولا يتم أي تشييع حتى لشهداء الجيش الحر من أبناء المحافظة، فكيف سيجرؤ أهل الشباب زين الدين على إعلان موت ابنهم تحت التعذيب، في بيئة غير حاضنة عجز حراكها “النخبوي” عن التحول إلى حالة شعبية تجاري باقي المحافظات السورية المنتفضة؟؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث