مخيم أطمة المتاخم للحدود التركية والذي بدأ
بالتشكل بشكل كلي منذ ستة أشهر من الخيم . أما الآن فقد بدأ وبشكل مقلق انتشار المباني
حيث لا أحد يتكلم عن العودة
لابد أن نتذكر في البداية كيفية تشكل المخيمات الفلسطينية حيث بدأت
بالتحول ببطء إلى أبنية شاهقة، فالعائلات السورية هنا ماتزال تعيش في خيم من
القماش أو البلاستيك، لكن القليل من المحلات التي تقع على الشارع العام لمخيم أطمة
والتي تبيع الفلافل والكولا، بدأت بتشييد
الأبنية بشكل سريع وبناء الإنشاءات
الحديدية. حيث لا أحد بإمكانه التحدث الآن عن العودة إلى الوطن الأم.
ففي شهر
كانون الثاني ارتفع عدد لاجئي مخيم أطمة الذي يقع داخل سوريا بالقرب من الحدود
التركية خلال ستة أشهر منذ أن كنت هناك في
شهر حزيران من 22،000 إلى 30،000 تقريباً.
إن هذه
المستوطنة الجديدة هي واحدة من العديد من المخيمات – فهناك أكثر من 6 ملايين نازح
داخل سوريا، وأكثر من 2 مليون شخص في الدول المجاورة. وإن تضاؤل أعداد اللاجئين في
المخيم وتضخمه يعود لتقلبات المعركة. فعندما استعاد النظام سيطرته على حي الخالدية
في حمص في شهر تموز وصل العدد الإضافي من
50 الى 60 عائلة تقريباً في اليوم.
وعند
زيارتي الأخيرة ، قبل ستة أشهر ، كنت قادراً على السفر إلى داخل المناطق المحررة –
كما في كفرنبل في جنوب محافظة ادلب – وبدون أي تخوف من مقاتلي الجيش الحر الذين
يحرسون نقاط التفتيش.
أما الآن
فأنا لا أجرؤ على الذهاب حتى إلى قرية أطمة والجلوس على قمة تلة قريبة، وذلك لأنها
محتلة من الدولة الإسلامية في الشام والعراق ( داعش ) التابعة لتنظيم القاعدة.
وفي حزيران
الماضي أشار سكان المخيم بسخرية إلى الجهاديين الأجانب بشكل خاص بأنهم * الجماعة
المسلحة المكروهة * لأنهم يشكلون الآن الخطر الحقيقي. فهم يقومون باختطاف وقتل
ناشطي الثورة، وعناصر الجيش الحر والصحفيين. لذلك فإن هذا التطور يساهم في زيادة
التشاؤم لدى سكان المخيم.
في المخيم
بإمكانك أن تشاهد الأوعية الساخنة والتي يتصاعد بخارها من مطبخ مؤسسة (مرام)
الخيرية. والتي مازالت تطبخ نفس الوجبة منذ ستة أشهر وهي شوربة العدس. كما سترى
أيضاً الأطفال وهم يصطفون خارجاً في الوحل الأحمر حاملين الدِّلاء بانتظار تناول الطعام.
وهناك
أيضاً على الشارع الرئيسي تقع العيادة الطبية الجديدة وغرفة واحدة مخصصة لطبيب
الأسنان ( بتمويل من الجمعية الطبية
السورية الأمريكية ). حيث قابلنا الدكتور هيثم والذي أبدى استياءه من
الأوضاع هناك، فالسقف يتسرب منه الماء، والعاصفة الثلجية الأخيرة أغرقت المكان
الذي يضع فيه حاجياته، ودمرت المعدات الكهربائية.
وقابلنا
أيضاً محمد الطفل الذي قدم لنا الشاي، ويبلغ من العمر خمس سنوات، والذي كان يسير
خلفنا كما لو أنه يراقب تحركاتنا، وقد تميز وجهه بوجود ندبات ما بعد العلاج لداء
اللشمانيا ( وهو مرض سببه نوع من الذباب يتواجد في الوحل ويتكاثر في تجمع القمامة
). محمد كان يبدو لطيفاً في البداية، لكن بعد أن التقطنا له صورة مع أحد
أعضاء مجموعتنا وهو مبتسم انقلب مزاجه ؛ فقد قرص بعنف يد الرجل الذي كان يحتضنه
ومن ثم أخذ يضرب أخته الأكبر بكابل كان يحتفظ به ” لا أحد يستطيع السيطرة
عليه ” علق أحد الأشخاص، وأضاف قائلاً “بأنه ليس لديه أب “.
إنه يتيم
،مشرّد وبلا مأوى. وعندما سألت الرجل من أين أتى تغيير اسم مدينته من كفرنبودة الى
كفر معضمية ” البلدة المدمرة ” فعندما سألته لماذا؟ أجابني قائلاً
“لم يتركوا بيتا واحد بدون تدمير ،ولا أي حيوان في الحقول على قيد الحياة . لن
نعود أبداً إلى هناك ، لقد دمرت البلدة بأكملها
“.
جميع من
في هذا القطاع هم من كفرنبودة . حيث شب
حريق في إحدى الخيم الليلة الماضية مما أدى إلى إصابة فتاة في التاسعة من عمرها بحروق شديدة. وعندما قمت
بزيارة إلى المخيم في الصيف الماضي كان
هناك أيضا خيمة محترقة أدت إلى مقتل طفل.
لقد تسببت الشموع المشتعلة للإنارة بهذه الحروق، أما الآن فسببها المواقد
المؤقتة التي يتجمع حولها الناس للتدفئة.
وقد شهدت
بلاد الشام أقسى موجة برد قارس هذا الشتاء. فقبل وصولنا بيومين لاقى طفل حتفه
متجمداً من البرد بسبب درجات الحرارة المنخفضة دون الصفر. هذا ما ذكرته لي امرأة
صادفتها هناك، وطلبت مني مساعدتها بتأمين سخانات لهم. لكن عندما أجبتها بأنني
“لم آت إلى هنا لتقديم المساعدات ” ابتسمت، وتجاهلت السؤال قائلة ”
لقد فرضت علينا هذه الظروف ” وتابعت “ماذا يمكننا أن نفعل ؟”
وقد كان
بجانبها بعض الأطفال يرتدون صنادل مكشوفة الأصابع. وأنا في نفس الوقت ارتعش من
البرد رغم أنني ألبس حذاء متعدد الطبقات.
أحمد
الشيخ، ذو اللحية والوجه الطويل، زائر من مخيم باب الهوى القريب. والذي كنت قد
رأيته آخر مرة كمكان كئيب حيث الخيم المصنوعة من البلاستيك الأزرق والسطح المنصوب
من الأسمنت.
يقول لي
هناك 3،200 خيمة. وكان يرتدي سترة مستعملة تبرع له بها شخص كويتي، لأنه غادر منزله
بالملابس التي يرتديها فقط.” باب الهوى
إنه كارثة، ومن الجريمة أن تضع حيوان ليعيش هناك بمثل هذه الظروف، فنحن
نغرق بمياه السيول، والصرف الصحي والفئران
“
وبينما
كنت أعمل هناك في رواية القصص في خيم مدرسة العودة ، ذكر لي أحد أصدقائي، وهو سوري
-أمريكي يعمل مصوّراً واسمه محمد العجة، بأنه قام بالتدريس هناك أيضاً مهارات كرة
القدم والتقط الكثير من الصور.
وكان قد طبعها وجمعها بدفاتر مسلكة لهم. ومنذ
ذلك الحين، والأمهات والأطفال عندما نقابلهم، يلفتون انتباهنا بانفعالاتهم. فهم
كثيرو التفكير بتقديم الهدايا للناس الذين لا يملكون شيئاً حتى المرآة لأولئك
الأطفال الذين يقضون حياتهم بدون التقاط
صور تذكارية سواء في مدارسهم الجديدة أو مع عائلاتهم.
لعدة مرات
عندما كنا نرفع كاميراتنا للتصوير، يتذمر الناس بابتسامة مهذبة: ” بصراحة
سئمنا من الصور ” فهم يخجلون من سذاجتهم السابقة، لأنهم كانوا يعتقدون بأن
تصوير بؤسهم لمرة واحدة من شأنه أن ينقل معاناتهم إلى القائمين على أعمال الإغاثة
الدولية.
“لا أمل
بالعودة ” تقول إحدى النساء وهي من قرية حاس والتي كانت في شهر حزيران
متفائلة مطمئنة، وتضيف قائلة ” الجميع يساعد الأسد، ولا أحد يساعدنا، ولا
أعرف ما إذا كانت بناتي ستعدن إلى البيت أم لا”.
بعض
الأطفال الأصغر سناً يعيشون هنا منذ عامين. وحياة المخيم هي كل ذكرياتهم. رأينا
هناك أيضاً صبياً يربط علبة زيت قديمة وكيساً وبعض العصي مع بعضها لبناء منزل
كلعبة. وعندما سألته لمن هذه الخيمة أجابني ” للفأر “
على الرغم
من شعور اللاجئين بالتهجير إلا أن
استضافتهم لنا مازالت رائعة كأي وقت مضى. فكل عائلة كنا نلتقي بها كانت تحاول جعلنا
نشرب الشاي حتى نقبل. ولقد قبلنا
أخيراً بدعوة الأستاذ أحمد لنا لشرب الشاي، فجلسنا عنده على الحصيرة نحتسي الشاي
مع والدته، وحوّلنا ما يقارب العشرين طفلاً. ميادة ( ذات الأربع سنوات وشهر – وهي
المقربة بشكل خاص ) كانت قد تلت علينا بعض سور من القرآن.
وكان
الأستاذ أحمد يعمل كمدير لمدرسة العودة والتي كنا نعمل بها. ( وفقا لبرنامج مؤسسة
كرم الزيتون ) في حزيران.
أما الآن فإن ( الترميز المشؤوم ) لمدرسة
العودة قد تغير، وحلّ محلُّها مدرسة الحكمة ، حيث أصبح الأستاذ أحمد يعلم. لقد
كانت الجدران عبارة عن كتل من الأسمنت والسقف من الحديد المموج، لكن الأرض كانت
طينية منحدرة، وتتبدل عندما تمطر.
وبالطبع ليس هناك تدفئة. أحمد الذي كان آخر مرة
على ثقة بانتصار الثورة الوشيك، يحاول أن ينظر إلى الجانب المشرق. ” نحن نفعل
ما بوسعنا للأطفال. فبهذه الطريقة نكون قد قدّمنا
الفائدة لهم على الأقل في هذه الفترة ، لحين سقوط النظام “.
وفضلاً عن
مدرسة الحكمة، هناك مدرسة بيت الثورة والتي لا تزال مستمرة. كما مازالت هذه
المدرسة تقدّم المنهج السلفي الذي يقدم فوائد مشكوك فيها. وهناك الآن القليل من
الأماكن لهم، لكن العديد من الأطفال لا يذهبون
إلى المدرسة إطلاقاً. أحد هؤلاء الأطفال هو عبد الرحمن، الذي يبلغ 13 عاماً، والذي توقّف عن دراسته في الحادية عشر والنصف من
عمره ، عندما أغلقت مدرسته الواقعة في ريف حماة بسبب قصف قوات الأسد.
أما الآن
فهو يساعد والدته، ويقوم بأعمال مختلفة في
المخيم. ” إنه بخير ” كما يؤكد لي بتعابير وكأنها استقالة رجل عجوز من
الوظيفة ” أخي الصغير يذهب الى المدرسة وهذا يكفي ”
في بعض
المناطق السورية كانت يتبع الأسد سياسة الأرض المحروقة كهدف عسكري – وذلك لطرد
جميع المجتمعات التي تقدم العون لمقاتلي المعارضة.
أما في
حالات أخرى ( مثل منطقة حمص حيث أحرق الأسد السجل العقاري ) بدت الإستراتيجية دائماً وكأنها تطهير عرقي. واللاجئون يعرفون
ذلك، وهم يشعرون بالمرارة حيال ذلك. فهم يلومون الدول الداعمة لنظام الأسد وهم
روسيا وإيران، كما يلومون الدول العربية
التي لم تقف معهم بما فيه الكفاية، والغرب أيضاً، والتي تركّز اهتمامها على التطرف
الديني بدلاً من العمل على وضع حد للنظام الذي يهيئ الظروف لانتشار التطرف.
في عام
1948 تم طرد نحو ثلاث أرباع مليون مواطن فلسطيني من ديارهم. وفي العقود التي تلت تبعات
هذا الطرد أصبحت المنطقة برمتها غير مستقرة وسقطت البلدين في حرب مفتوحة. وهذه
سابقة مؤلمة، أما نزوح السوريين اليوم فهو يكشف أبعاد على نطاق أوسع من ذلك بكثير.
بقلم:
روبن ياسين كساب
من صحيفة
: الغارديان
18 شباط
2014
ترجمة نهال عبيد
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث