ثائر الزعزوع
فضحنا مؤتمر جنيف على المقاييس كافة ، فضحنا كسياسيين، لا نتقن من لعبة السياسة سوى اللغو والمهاترات السخيفة، والاستجداء الرخيص، وفضحنا كإعلاميين لا نستطيع أن نقدّم تقريراً إخبارياً متكاملاً ومهنياً واحترافياً، فضحنا كجمهور أيضاً ليست لديه ثقة في شيء، ولا في أحد، ولا يعرف أيضاً ماذا يريد.
فضحنا مؤتمر جنيف على الجانبين، نحن السُّوريين صرنا فرجة المتفرجين وأضحوكتهم، لم نستطع أن نداري سوءاتنا الكثيرة، فكان جنيف مناسبة ممتازة لكنس ملايين الأطنان من الشعارات والروايات والحكايات عن عظمة الإنسان السوري، وحضاريته، وعبقريته، فلم يظهر كل ذلك بل ظهر نقيضه تماماً، تخلف، ارتباك، عنجهية، غباء… هكذا ظهرت صورتنا في جنيف، والعالم كلُّه يتابعنا.
نعم، العالم كله يتابعنا، وأنا هنا لا أتحدث عن وفد النظام، فقط، بل عن الوفدين معاً، فأين هم السوريون الحضاريون الذين نمثلهم، أين هو التاريخ العبقري، والشخصية السورية، أين هي؟
للأسف، لغة عربية مفككة، خطاب متلعثم، هكذا… بكل هذه البساطة، اختفى محمد كرد علي وفارس الخوري، وشكري القوتلي، وعمر أبو ريشة ونزار قباني، وتقدّم الصفوف حمقى لا يبالون بالدماء، ولا بالموت اليومي المجاني ولا بالتاريخ، ولا بالحضارة، ولولا مفردة واحدة صدرت عن رئيس الائتلاف أحمد الجربا في كلمته الافتتاحية حين قال: إن وقت السوريين من دم، لقلنا إن هؤلاء الجالسين يجمعهم الأخضر الإبراهيمي ليسوا سوريين. هكذا بكل بساطة.
أعلم أن مثل هذا الكلام سيكون قاسياً، ولن يعجب الكثيرين، لكن هذه هي الحقيقة، ولعل متابعة تعليقات صفحات التواصل الاجتماعي تختصر الكثير، وتقول هذا الكلام ولكن بصورة غير مباشرة، بصورة لا تريد الاعتراف أننا، وكما فشلنا في الحفاظ على ثورتنا، فإننا فشلنا في الحفاظ على سوريتنا.
ذهب الكثيرون كي يتمكّنوا من تأمين لجوء لهم ولأسرهم، هناك معلومات موثّقة بهذا الشأن، وذهب آخرون ليثبتوا عبوديتهم لسيّدهم، وليستفيدوا من مكافأة السفر في المهمة الخارجية، كلاهما لا تهمه سوريا، ولا شعبه الذي يُباد باستمرار. أنا لم تعد تغريني الدموع التلفزيونية، ولا النشيج المُتصنّع الذي يعقب جلسة ضاحكة، ولم يعد يهمني من كل ما فعله الجنيفيون سوى من كان منهم سورياً، ومن كان منهم يمثلني كسوري أولاً وكإعلامي وعامل في الشأن العام ثانياً، الحقيقة: لا أحد.
أين تطايرت سوريتُنا؟ هل يستطيع أحدٌ أن يقدِّمَ إجابةً تكون مقنعة وخالية من الوجدانيات؟ ولماذا اختبأنا كل خلف حامٍ يحميه، ويتحدّث بلسانه؟، لماذا لم يستطع أي شخص أن يكون مقنعاً لا في مؤتمراته الصحفية، ولا في لقاءاته الإعلامية؟
نعم، كانت العقود الأربعة التي أمضيناها محكومين باليأس والاستبداد كفيلة بسلب الكثير من خصوصيتنا الثقافية والحضارية، وكانت تلك العقود قادرة على سلخنا سلخاً وتحويلنا إلى أشخاص موتورين مأزومين، لكن ألم تكن السنوات الثلاث من عمر الثورة العظيمة كفيلة بإزاحة تلك السنوات، بل وصناعة تاريخ جديد لنا؟ ألم تكن تلك السنوات الثلاث التي أظهرت أفضل ما فينا، وأقبح ما فينا قادرة على تغييرنا؟.
للأسف ظهر ممثلونا كأعضاء فرقة حزبية في منطقة نائية يناقشون مفردة الأمة العربية الواحدة، ويبحثون عن معاني رسالتها الخالدة، دون أن يكونوا أصلاً قد تعلّموا القراءة والكتابة.
وكان الأخضر الإبراهيمي يمسك بأيديهم ليرشدَهم إلى طريق الصواب، افعلوا هذا ولا تفعلوا هذا، ولعل اعتذار الأخضر الإبراهيمي في نهاية مؤتمره الصّحفي الذي أنهى به الجولة الثانية من مباحثات جنيف الثانية، لعل ذلك الاعتذار من الشعب السوري عن الفشل هو اعتذار لا عن الفشل فقط، بل عن الغباء، عن العبودية، فإذا كانت السياسة هي فنّ الممكن، فما هو الممكن الذي وصل إليه الوفدان؟
جولة ثالثة من المفاوضات.
تتبعها جولة رابعة، وكما قال أحد الأصدقاء ساخراً، “قد يتمكن باقي أعضاء المعارضة من تأمين لجوء لعائلاتهم في الجولة السادسة”. ثمة جولة سادسة إذاً؟
وثمة موت مستمر، أو ليس وقت السوريين من دم؟
هكذا تنتهي حكايتنا، جولات من المفاوضات بوساطة عجوز قلنا فيه الكثير، وبرعاية أمم متحدة لم تستطع حتى يومنا هذا أن تنصف فلسطينياً واحداً، ولن تستطيع أن تنصف سورياً أيضاً، هكذا كتب علينا أن نترقب، ونترقب مفاوضات ومفاوضات، يقودها عرب وأجانب، لا يعلم أحدهم أين تقع حلب، ولم يسمع الكثيرون منهم اسم دير الزور من قبل، ولا يعلمون ما الذي يعنيه يوم الأربعاء في حمص، صار لدينا أوصياء، ونحن الذين أنفقنا سنوات طويلة نسخر من الجميع، ننظر إلى الجميع بتكبُّر، وباستعلاء.
وبانتظار طائف سوري على غرار طائف اللبنانيين، يوزعنا وفق رؤية غيرنا، علينا أن نعيد النظر في ذواتنا، ونبدأ قراءة سوريتنا من جديد حرفاً لنعرف أين فقدنا الحروف، وأين تلعثمنا، وإلى أي مدى نستطيعُ إصلاحَنا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث