عمّار الأحمد
أظهرت جولات التفاوض أن النظام السوري يرفض بالكامل أي كلام عن الهيئة الانتقالية، وأنه يريد مفاوضات تعيد إنتاجه عبر بوابة الحرب على الإرهاب وإيقاف العنف. وفد المعارضة امتاز بمرونة عالية، حيث لم يرفض الحرب على الإرهاب، ولكنه أصرّ على تشكيل الهيئة من أجل محاربة الإرهاب والانتقال بسوريا نحو الديمقراطية، وعبر توافق سوري سوري، وتعايش بين قسم من النظام والمعارضة، أي أن وفد المعارضة خفف من شرط رحيل الأسد أو من الكلام عن إسقاط النظام. أكثر من هذا لا يمكنه التنازل، فبهذا يصبح لا يمثل أحداً.
إذاً: فشلت الجولة الثانية من جنيف، ولن يكون نصيب الثالثة أفضل في حال لم يتدخل الرُّوس والأمريكان بشكل مختلف عما مضى. ضمن هذا الإطار لم يكن هناك شيء تحت الطاولة، ولا كانت هناك مفاوضات موازية، ولا يزال الروس والأمريكان مختلفين إذاً، وبالتالي ينتظر السوريون المزيد من الموت والدمار، وهو ما تضاعف منذ أن ذهب النظام على جنيف، حيث تكاد تدمر مدينة حلب، وبلدة داريا، واجتهد إلى عقد هُدن ومحاولات تظهره أنه هو من يتحكم بالأرض كما يجري في حمص القديمة.
الصراع الذي أجبر النظام والمعارضة للذهاب إلى جنيف لا يزال على أشدّه، ولن يستطيع النظام أخذ مناطق واسعة كذلك، وما تقدم النظام هنا وهناك إلا بسبب توقف الدعم العسكري تزامناً مع مستوجبات جنيف. أي أنّه بتوقف جنيف، ستعاود الأطراف الدولية والإقليمية إلى سابق عهدها بالدعم، وهكذا تغرق سوريا مجدداً وبشكل أوسع في دوامة الموت المجاني والاستنزاف الكامل، ويكون المستفيد من ذلك تصاعد الجناح التكفيري في الكتائب المسلحة، وتدمير قوات حزب الله، وتدمير ما تبقى من سوريا، عدا الكلفة الدموية المهولة للشهداء.
هذا الصراع، لن يوقفه النظام أبداً، فهو يحضّر نفسه وبصورة مستمرة لإفناء كلِّ السُّوريين المعارضين والموالين وتدمير كل المناطق الثائرة؛ هذه استراتيجيته ولن يتخلى عنها طوعاً؛ المرات الوحيدة التي شعر بها بالخطر هي حينما تقدمت قوات الحر إلى مشارف دمشق، أو حينما قايض الضربة العسكرية بالكيماوي السوري، أي قايض بقاءه بتسليم الكيماوي.
الآن، الخيار المتبقي هو الدور الأمريكي، فإما أن يحسم معركته مع الروس والنظام وإيران، ويتقدّم بتهديد جديٍّ، وبالتالي يجبرون النظام على جنيف، وإما أن يعلنوا إفلاسهم كلية، هذا بما يخص الشأن الدولي، وينطبق الكلام نفسه على حلفاء المعارضة في الإقليم، فإمّا دعم نوعي بالسلاح، والتخلص من تدمير سوريا المستمر، وإما فإن حلف النظام ذاهب نحو تعزيز حضوره، وسيحاول إعادة إنتاج النظام لنفسه.
الشعب الثائر والمعارضة والكتائب، ومختلف أشكال العمل الثوري، معنية هي بالثورة وبحلول لمشكلات الثورة، وإظهار مكامن الخطر، ولماذا لم تنتصر الثورة؟ ولماذا تمّ رهنها لموازين دولية وإقليمية؟! الثورة معنية بتغيير كل استراتيجياتها، وقولنا هذا لا يتجاهل كل ما حصل من تطورات وتأزمات في الثورة ذاتها.
الشعب معني كذلك، بإنهاء ظاهرة الجهادية التكفيرية بالكامل، وكل تفريعاتها التي تشبه داعش، أي النصرة وسواها، فهي شكّلت كارثة محققة على الثورة ووصمتها بالتكفيرية، ومنعت كل تعاطف دولي معها، وفي هذا لا بد من إعلام ثوري مخصص للإعلام العالمي، بعيداً عن لغة الدين أو الطائفية، وتقديم رؤية عن أهداف الثورة في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمواطنة؛ والتركيز على نقد الجهادية التكفيرية، بشكل لا لبس فيه مطلقاً، واعتبارها أداوت يحركها النظام، وليست من الثورة في شيء، عدا عن الكلام عن حق السوريين بحياة أفضل وعلى المستويات كافة. وفي هذا لا بد من تسليط الضوء على أن الحرب ضد داعش هي حرب ضد التكفيريين كذلك في سوريا.
جبهة النصرة وبقية القوى التكفيرية، أصبحت كارثة على الثورة الآن، سيما وأنها تتحالف مع الجبهة الإسلامية وجبهة ثوار سوريا، ولكنها تمتلك التفكير والممارسة الداعشية ذاتها، وبالتالي لن تتوقف عن دفع المجتمع كما النظام في الذهاب نحو أسوأ أنواع المعارك الطائفية، الآن ولاحقاً.
تجربة داريا وبرزة وحمص القديمة ومناطق أخرى، تستحق التأمل العميق، في أشكال المقاومة، وفي أخلاقيتها العالية، حيث لا تكفيريين واعتماد على الذات وحاضنة شعبية مستمرة، وهو ما فُقد في مناطق كثيرة في سوريا؛ طبعاً لا يمكن تكرار ظواهر مضت، فهذا عبث محض، ولكن قراءة تلك التجارب والتي لا تزال مستمرة، يساعد على فهم الممكن، وإعطاء الثورة دفعة نحو الأمام.
الدول العظمى معنية بإنهاء توافقها على مصالحها، وهذا متعلق بها، ويقف أمام ذلك العنجهية الروسية، ورغبتها في الاستفراد بسورية كاملة، وانسحاب الأمريكان من المنطقة كما تظهر كثير من التحليلات، وهذا ما سيضاعف على الثورة من مشكلاتها.
إذاً: لا بد من حلول ثورية لمشكلات الثورة. هذا سيواجهه النظام بالمزيد من الاعتقال والدمار والقتل، فهو يريد إنهاء كل شيء وإعادة إنتاج ذاته، ويعرف ضعف الموقف الأمريكي ومؤازرة الموقف الروسي له. الحلول الثورية، عدا عن إنهاء الظاهرة التكفيرية كما أشرنا، لا بد من تنظيم العمل العسكري، على مستوى سوريا، وتركيز أعماله على خوض الحرب كحرب حقيقية ضد قوات النظام، وليس بعقلية الهواة وانتظار الهجوم من النظام وآلية تحرير المناطق فقط، فهذه الآليات ثَبت فشلها الكامل.
إن تفعيل الداخل بكل مؤسساته يتطلب درجة عالية من النزاهة والابتعاد عن كلِّ أشكال الفساد والكذب على الشعب، والتخلص من الذاتيات والأنانيات المتضخمة والمنتشرة في صفوف المعارضة.
رغم العنجهية الروسية، فإن انتهاج الثورة رؤية حداثية لمستقبل سوريا، سيجبر الروس نحو الحل عبر الهيئة كاملة الصلاحيات. قد تتحقق جولة جديدة من التفاوض وربما يسوي الروس والأمريكان كل تفاهماتهم، ولكن من سيساهم في تحقيق الانتقال في سوريا هي المعارضة والثورة بالتحديد، فهم وبغياب أي روح تفاوضية عند النظام، فإن ممارسات وأنشطة الثورة، هي من سيزعزع أرضية القوى النافذة والموالية للنظام. يدفعنا التركيز على الثورة، أن جنيف كان ضرورة رغم الفشل، ولن يتم التخلي عنه، وليس فقط لأنه الروس والأمريكان محرجون بل لأن حجم مشكلات الوضع السوري يكاد يتفجر بمشكلات أكبر ليس في سوريا بل وفي لبنان والعراق والأردن وإسرائيل لاحقاً، وبالتالي يقع على الثورة التقدم بثبات نحو إستراتيجية وطنية، تدفع نحو الانتقال السياسي والسلم المجتمعي والبدء بإعادة إعمار وطنية عبر السوريين؛ مفتاح كل ذلك دون أدنى شك تشكيل هيئة انتقالية كاملة الصلاحيات.
فهل تتشكل جبهة ثورية وطنية تعي حجم المشكلات، وتساهم في إنجاح أهداف الثورة؛ هذا هو المأمول من القوى الثورية كافة ، سياسية أم حراكية أم عسكرية أو مدنية أو سواها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث