الرئيسية / رأي / ذَرُّ الطّحين في العيون

ذَرُّ الطّحين في العيون

عدنان عبد الرزاق
 بعد متابعة لما يجري هذه الآونة من”التفاف”على قرارات تجميد الأموال السورية في المصارف الخارجية، بحجة “ثغرة” الغذاء، يمكن خلالها الوصول لملامح إجابة، حول استمرار نظام الأسد، وإلى عدم سقوطه من بوابة الاقتصاد، كما توقّع كثيرون، هذا إن فرضنا جدلاً أن طهران وموسكو التزمتا أصلاً، إن بتجميد الأرصدة..أو حتى بالعقوبات الاقتصادية.
خبران مرّا أخيراً دون الوقوف عليهما على حسب ما يستحقان، ولعلّ القاسم المشترك بينهما”رغيف الخبز” هو مثار الاهتمام، علّ في طرحهما تذكيراً لمن يهمُّه الأمر، أو-على الأقل- إدانة إضافية، وإن أخلاقية، لتقاعس”الكبار” وسكوتهم عن نظام الأسد، بعد صمتهم عن القتل بالكيماوي والتجويع…والتخاذل عن دخول قوات خارجية تقاتل وفق “العقيدة” والفكر النكوصي المدمر.
الخبر الأول: وقعت الشركة العامة للمطاحن عقداً مع إحدى الشركات المحلية لاستيراد 200 ألف طن طحين من إيران، بعد مناقصة أعلنتها مؤخراً، “وسيبدأ التّوريد في الأيام المقبلة، ورود أخيراً إلى سوريا كميات كبيرة من الطحين، ومن ذلك 12 باخرة وصلت المرافئ السورية بوقت واحد، وقد استوردت من الأموال المجمدة، وأدت الى زيادة واضحة في مخازين المادة والتي تكفي لعدة شهور قادمة”. 
أما الخبر الثاني: تدرس الشركة العامة للمطاحن العروض المقدمة حول إقامة مطحنتين متنقلتين بطاقة إنتاجية تتراوح بين 50-70 طناً يومياً، وتشرف على الدراسة اللجنة الفنية لاختيار العرض الأفضل. 
هذا عدا العقود المُوقّعة مع الجانبين الروسي والإيراني، حيث جرى التوقيع والتّصديق من رئاسة “مجلس الوزراء”، لإنشاء مطحنة تلكلخ مع شركة “سوفو كريم” الروسية بطاقة إنتاجية 600 ألف طن سنوياً كاملة التجهيزات ومؤتمتة، “علماً بأن الشركة العامة للمطاحن تقوم باتخاذ الإجراءات المناسبة لوضع المشروع في التنفيذ الفعلي والبناء البيتوني لإنشاء المطحنة موجود، إذ تبلغ مدة تنفيذ المشروع 22 شهراً بتكلفة 16.5 مليون يورو، وجاء في العقد الموقع مع شركة آروما سنين الإيرانية التزام الشركة بإنشاء خمس مطاحن موزعة على مناطق مختلفة من سوريا، درعا، ومنطقة إزرع والسويداء والحسكة والرقة بطاقة إنتاجية 1420طناً يومياً، وتكلفة إنتاجية 63 مليون يورو مع صومعة تخزينية سعة 10 آلاف طن في مطحنة السويداء، وذلك بمدة تنفيذ لا تتجاوز العامين”. 
بداية القول: لاشك أنّ كلّ مَنْ في سوريا، هم أهلنا، حتى المغيبين منهم، ولا يمكن لأي سوري أن يدعو إلى قتل مؤيدي النظام عبر سلاح التجويع، كما يفعل النظام المجرم، ولكن كيف يمكن التأكد أن تلك الأموال تذهب للطحين والغذاء أو لا؟؟، والأهم-ثانياً- هل يصل جزء من طحين “حلفاء النظام” للمناطق المحررة..إن لم نسأل عن المحاصرة منذ أكثر من عام كحمص القديمة، أو المناطق التي يموت أهلوها جوعاً كداريا وجوبر ومخيم اليرموك.
أمّا إن سألنا هل التزمت المصارف، وخاصة العربية، بقرارات تجميد الأصول السورية وإيداعات آل الأسد، آخذين بالاعتبار أن ثمة التفافاً قام به النظام مع بدايات الثورة، عبر نقله جزءاً من الاحتياطيات الأجنبية المستثمرة في الخارج، ومن ثم تحويلها لمصارف عربية، ولعلنا نذكر تلك الخطوة التي تفاخر بها النظام وقتذاك، رغم سريان مفعول قرارات تجميد الأصول المالية لسوريا، ومنها قرار الجامعة العربية، والتي صدرت تباعاً خلال النصف الثاني من عام 2011، وإن لف تلك القرارات غموضاً حينذاك نتيجة عدم تحديد حجم الأموال والمصارف والدول المستثمرة فيها.
 في هذا الصدد نفى الأمين العام لاتحاد المصارف العربية وسام فتوح، عبر تصريحات صحافية أخيراً، أن يكون الاتحاد قد تدخل في تجميد حسابات النظام السوري ومدى اتفاقه مع قرارات جامعة الدول العربية، مشيراً إلى أن الاتحاد عبارة عن منظمة ليست ملزمة بقراراتها لأحد…بل أكد فتوح: حتى لو أصدر اتحاد المصارف أية توصيات تخصُّ تجميد حسابات أموال النظام السوري، فلن يستطيع إلزام أحد بها»
 وأوضح أن القرار الذي أصدرته جامعة الدول العربية الخاص بتجميد أموال النظام السوري تنفذه الدول من خلال أجهزتها المصرفية.
وهناك بعض الدول لم تنفذ تلك القرارات وذلك لظروف تخصها.
ولعل الأهم في تصريحات فتوح، كانت إشارته إلى استمرار تعامل بعض الدول والمصارف العربية مع نظام الأسد” ولم تلتزم بعض الدول العربية بالقرارات الخاصة بتجميد الأموال السورية، نظراً لاعتبارات تتعلق بطبيعة الأمن القومي لتلك البلدان ومصالح مختلفة 
مع النظام السوري.” 
قصارى القول: التقديراتُ تشير إلى أنّ إجمالي الأموال السورية المجمدة في الخارج بداية الثورة كانت تصل إلى نحو ملياري دولار موزعة على مصارف ودول غربية عدة، منها مبلغ كبير يصل لنحو 700 مليون دولار عاصمة غربية .
 وسبق لحكومة  النظام أن ناقشت سابقاً إمكانية إجراء تقاص بين الأموال المجمدة والديون المترتبة على سوريا (أي استبدال الديون بالأموال المجمدة في الحسابات) لمصلحة بعض المنظمات والمؤسسات العربية والدولية، إنما تم التريث لحين 
توضح فرص استعادة البلاد لتلك الأموال. وأياً تكن التقديرات المتعلقة بحجم الأموال المجمدة حالياً، فإن الغموض الذي يلفُّ طريقة تعاطي حكومة الأسد مع ملف استثمار الأموال المجمدة في تمويل مستورداتها من السلع الغذائية أخذ يثير نقمة العديد من التجار والمستوردين، “بحسب ما نشرت صحيفة الأخبار اللبنانية المقربة من نظام الأسد” الذين يؤكدون أن الحكومة تفاضل فيما بينهم لجهة إعلامهم بالدول التي تتواجد فيها هذه الأموال من جهة، أو باستبعادهم نهائياً دون مبررات موضوعية وقانونية من جهة ثانية. وهذا الغموض يتمثل أيضاً  في حجم الأرباح التي يجنيها التجار والمرتبطة بطبيعة شروط تعاقد المؤسسات الحكومية مع هؤلاء، والسعر الذي يتم على أساسه بيع الدولار أو اليورو لهم، وأيضاً قيمة العمولة التي يتقاضاها التجار، سواء تلك الناجمة عن عمولة مباشرة أو عن فرق سعر بيع القطع.
نهاية القول: تعالوا نتناسى كلَّ ما سلف: لنسأل: من هم التجار، أو من في حكمهم، المخولون خلال الأزمة؟؟ من تحريك الأصول السورية المجمدة في الخارج، لتعرفوا كيف”يموت الزمار وأصابعه تلعب” وأن عصابة النظام مازالت تمص دماء، وتسرق مقدرات السوريين، حتى تحت شعار تأمين الغذاء والطحين خلال أخطر أزمة يشهدها العصر الحديث.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *