الرئيسية / رأي / صمت أرضوغان استيعاب للدرس!

صمت أرضوغان استيعاب للدرس!

عبد القادر عبد اللي 
ما لفت الأنظار في زيارة أرضوغان الأخيرة إلى طهران صمته إزاء ما يجري في سوريا. فقد غابت سوريا عن البيان الختامي. هذا الصمت فتح الباب لتأويلات كثيرة، بل تجاوز بعض السياسيين الإيرانيين التأويلات إلى خروجهم لقرع طبول النصر المؤزر للخيار الإيراني في سوريا. فقد قال بعض البرلمانيين الإيرانيين بأن أرضوغان جاء إلى إيران معترفاً بهزيمته في سوريا، وتائباً إلى رشده. 
حافَظَ أرضوغان على صمته، وألغيت بعض النشاطات التي تفتح الباب للبوح. فقد أُلغي قسم السؤال والجواب من المؤتمر الصحفي المنعقد في نهاية الزيارة، واكتفي بالبيان فقط؛ وكان من المقرر أن يلقي محاضرة في مركز دراسات استراتيجية، فألغيت هذه المحاضرة. لم يعلن أرضوغان الهزيمة، ولم يعط أية إشارة تفيد بتوبته بالمعنى الإيراني، ولهذا دواؤه لدى إعلام الممانعة: “نعم، إن أرضوغان تراجع عن سياسته تجاه سوريا، ولكن الأمر لن يتم بين ليلة وضحاها، وسيكون مُتدرّجاً.”  
على الصعيد التركي، علّق أحد قيادي حزب الشعب الجمهوري المعارض على زيارة أرضوغان إلى طهران متهكماً: “إن أرضوغان يعمل أسدياً بدوام جزئي.”  
وسائل الإعلام الموالية لأرضوغان أبدت استغرابها أيضاً، فقد جاء في خبر تلفزيون صمان يولو المتعلق بزيارة أرضوغان: “لم يتحدث أرضوغان عن ظلم النظام السوري، ودعم إيران له.” 
هل الصمت التركي حول السياسة الإيرانية جديد؟ متى كان هناك تصريح رسمي تركي حول إيران؟ كان توقيع إيران جلياً في الاحتجاجات التي سميت “احتجاجات تقسيم” واكتفت الحكومة بالقول: “هناك دورٌ خارجيٌّ، ويتمُّ التحقيقُ في الأمر”، ولم يصدر أي تصريح يأتي على ذكر إيران. هناك أكثر، فقد صرح أحد مسؤولي حزب العمال الكردستاني إثر “الانفتاح بين هذا الحزب والحكومة التركية” بأن الحزب رفض عرضاً إيرانياً بتقديم أسلحة نوعية وأموالٍ من أجل عدم الدخول في عملية “الانفتاح”، وساد الصمت أيضاً… 
هل صمت تركيا في القضية السورية تجاه إيران فقط؟ ألا تصمت تجاه روسيا والصين أيضاً؟ ألا تصمت تجاه النظام العراقي الذي يقدم الدعم الأكبر على الإطلاق للنظام السوري بسبب عدم خضوعه للعقوبات الدولية على غرار إيران؟ 
هناك أكثر من هذا بكثير، إذا لا يمكن لك أن تجد في تصريحات المسؤولين الأتراك إشارة صريحة على مشاركة القوات الإيرانية الرسمية وغير الرسمية (حزب الله والتنظيمات الميليشية العراقية والأفغانية والباكستانية واليمنية) في الحرب إلى جانب النظام. 
لعل أوّلَ من أدرك الدور الإيراني المؤثر في الصراع السوري كانت تركيا وقطر. فأوّل الاتصالات الخارجية التي أجراها مسؤولو هاتين الدولتين في القضية السورية كانت مع إيران، وهما أكثر من يعي الدور الإيراني، ومباحثات “تحت الطاولة” كلها جرت مع طهران، وأغلبها على الأراضي التركية… 
إذا أريد أن يُرصد تغيير في الموقف لسياسة أرضوغان تجاه سوريا، فلماذا لا تذكر قضية الفساد التي هزت أركان حكومته، ومازالت تأثيراتها قائمة ووضعت حزب العدالة والتنمية في وضع حرج أوّل مرة. أما كان جوهر تلك العملية هو خرق الحصار الاقتصادي على إيران؟ لا يمكن استعمال هذه القضية لسبب بسيط، فلو استُعملت سيبدو أرضوغان أسدياً منذ البداية، وبدوام كامل، وليس بدوام جزئي، فمساعدة أركان حكومته لإيران من خلال خرق الحصار لم يتوقف قط. 
ما حقيقة ما يجري بين تركيا وإيران؟ لا شيء، هو ما يجري بين كلِّ الدول في العالم: تنافس حادٌّ على النفوذ في المنطقة، ولا نحتاج إلى كاهن أو عبقرية سياسية لاستنتاج أن سوريا هي الورقة المرجّحة لهذا التنافس… الموقف التركي ثابت حتى الآن. هناك أمنيات كثيرة بتغييره، بل هناك عروض سخية لتغييره.
 من هذه المحاولات تزوير خطاب لعبد الله غول قامت به وكالة الأنباء الفرنسية يقول إن سياسة تركيا تجاه النظام السوري تراجعت. القاعدة الذهبية في العمل الصحفي ليس رصد التزوير بل قراءة ما وراء التزوير، لأن التزوير قائم في كل زمان ومكان، من موّل تزوير الخطاب؟ أليس الممول هو المستفيد من التزوير؟ صمت. 
تركيا تمتلك المعلومات الأدق حول الموقف الدولي، وما يدور وراء الكواليس، فقنواتها المفتوحة مع روسيا وإيران والولايات المتحدة يجعلها على دراية بالأمر. ولكنها ألم تصمت إزاء التسريبات التي كانت تشغل الإعلام العالمي كله على هامش جنيف2، ويطلقها روبرت فورد ووزير الخارجية الفرنسي… 
بالمناسبة، هناك شخصية تركية مهمة شاركت في الزيارة الرسمية لطهران بشكل غير رسمي، ووصلت إلى مطار الخميني في طائرة خاصة قبل وصول أرضوغان بخمس وأربعين دقيقة، ونزلت في طابق الفندق الذي نزل فيه أرضوغان، وحضرت اجتماعاً واحداً فقط من سلسلة الاجتماعات المعقودة هناك هو مع صاحب القرار الإيراني علي خامنئي: مستشار المخابرات التركية هاقان فدان… نعم، كان هناك بعيداً عن الأضواء، ولم يرشح أي شيء حول زيارته. المعروف أن رجال المخابرات حين يزورون دولة ما يحملون ملفات تحت أبطهم… 
صمتت وسائل الإعلام الإيرانية عن هذه الزيارة! ولم يصدر لها أيّ تفسير… ولا حتى تعليق… 
بعيداً عن طبول أو أبواق الدعاية الحربية التي تقدّمها وسائل إعلام وشخصيات لها مواهب خاصة بإصدار أصوات تغطي على أقوى أنواع القصف، لقد استوعب أرضوغان الدرس.. كلنا نذكر خطوطه الحمراء التي لم تكن حماه أولها، ولا عدد مائة ألف لاجئ آخرها… استوعب الدرس، وعلى ما يبدو أنه بات يطرق باب الكتمان من أجل قضاء حوائجه… هذا كل شيء… 

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *