في الأسبوع الماضي، دعوت عبر هذه الزاوية
إلى المراجعة واستنهاض الأهداف الأولى لثورتنا التي قامت أساساً ضد الاستبداد،
وكان شعارها الأول من أجل الحرية والكرامة.
وجاءت أخبار الصراع الذي انفجر ضد الدولة الإسلامية في العراق والشام ( داعش) لتعلن نفاد
صبر كتائب المقاتلين ووحداتهم من ممارسات داعش واستبدادها بأهلنا، وذلك بعد تصاعُد
جرائمها وعنفها ضد طابع الحياة المدنية اليومية في أماكن سيطرتها، وكذلك ضد نشطاء
الثورة وأصدقائها وقادتها، بدءاً من الأب والإنساني الكبير باولو إلى الناشط فراس
الحاج صالح إلى القيادي الشهيد أبو ريان وصولاً إلى اقتحام وردة الثورة في كفرنبل، وتدمير مكاتب إعلامييها وخطفهم. الأمر الذي يؤكد،
في رأيي، ما كانت قد وصلت إليه ثورتنا في نهاية مرحلتها السلمية مع النظام. وهي أن
كل مستبد في النهاية لن يقبل الحوار والمراجعة، فهو سيلجأ بطبيعته إلى
القوة والعنف وسيلة وحيدة لحل الصراع.
هكذا فعل النظام
المستبد استناداً إلى عصبية مجتمعية مدعاة، وكذلك فعلت داعش استناداً إلى عصبية
دينية مدعاة، وسيفعل ذلك كل من يدّعي استبداداً ما تحت أيِّ ادّعاء آخر!.
ولم ينشبِ الصراعُ
مع داعش بسبب شعارتها وأهدافها الدينية المعلنة ، فهي ما تتشارك بها مع من يقاتلها
اليوم، بل نشب كما هو معروف بسبب استبدادها بأمور الناس، وادعائها الحاكمية
الدينية لأمرائها في ذلك، وهم في النهاية، وكما قيل : رجال مثل غيرهم من الرجال،
وليسوا من طينة أخرى معصومة أو مقدسة، ويمكن لهم
أن يصيبوا، ويخطئوا بطبيعة الحال!
كما أنّ الصِّراعَ
الذي انفجر ضد داعش قد أتى في سياق متوقع، ولم يكن مفاجئاً إلا لمن كانوا يتمسكون
بوحدة الصف ضد نظام الطغيان، ويرفعون في سبيل ذلك ما يكاد يطابق الشعار الشهير( لا
صوت يعلو فوق صوت المعركة)، والذي طالما رفعه النظام في وجه الخارجين عن طاعته!
ذلك أن تلك
الوحدة المزعومة كانت تغطي الاستبداد، ولم تستخدم إلا لحمايته، وتبرير إلغائه لكلِّ تفكير حُرٍّ خرج عن طاعته، وتجاوز حرم سلطانه!.
واليوم من جديد،
فإن الاستبداديين الجددَ هم وحدُهم الذين يشقّون الصف الوطني، ويبعثرون جهود الثوار
بحجة حاكمية دينية تمنع مراجعتهم ونقد أفعالهم.
وقد كان
ذلك شديد الوضوح مع داعش التي عملت منذ بداية انتشارها على إقامة دويلتها الخاصة بها ووفق قالبها المحدود والماضوي، كما
يستمر ذلك مع كل من يماثلها، ويقيم في حدود سيطرته العسكرية واستبداده به، مشروع
مجتمع آخر ودويلة أخرى ضيقة بمقدار ضيق سلفيته، مؤجلاً بذلك العمل من أجل هدف
التغيير الذي يستحق وحده أن يبقى هدفاً
مركزياً جامعاً، وبعده سيكون قرار الشعب السوري هو مصدر كلِّ حاكمية !
والمراجعة التي
أرى أنَّ الصِّراعَ ضد داعش فتح الطريق مجدداً للقيام بها، ينبغي لها أن تستمر ضد فكر ونموذج الداعشيين، وضد
أفكارونماذج الاستبداديين جميعاً، فهي صحوة عقلية ونداء مسؤول لتوحيد الجهود وتصويبها قبل أي شيء آخر.
نداء عليه أن
يرتفع إلى مستوى التَّضحيات العظيمة التي
قدَّمَها، وما زال شعبنا يقدّمها، بصورة غير مسبوقة، على الرغم من كلِّ الصمت
والعجز المحيط بها!
وسيكون ذلك أقلّ
ما يتوجّب المسارعة إليه من كلِّ معنيٍّ
بثورتنا، وفي أي موقع كان، أمام كل ما حدث من مآس خلال ما يقارب السنوات الثلاث
الماضية ، وعلى رأسها آلام مسيرة اللاجئين وفظائع الكيماوي والبراميلي و ما تشير إليه الأخبار الأخيرة في الاستمرار الفاجع، لنهر شهداء الجوع والحصار في الزارة الغوطة والمعضمية
واليرموك والحولة والوعر وغيرها، وكوكبة شهداء معركة المطاحن في حمص المحاصرة،!
فهل تحدث هذه
المراجعة وبين أبناء الثورة أولاً، اليوم قبل الغد، وقبل فوات الأوان؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث