الرئيسية / سياسي / ميداني / صدى البلد / إضاءات لا تحتمل الصمت… حتى الجنين لم يسلم من انعكاسات الصراع

إضاءات لا تحتمل الصمت… حتى الجنين لم يسلم من انعكاسات الصراع

وردة مصطفى
“عندما يولد المولود ويأتي لهذه الحياة.. لا يبدأ بالتعرف إلى عالم كان يجهله، وإنما هو يتابع خبراته التي تكوّنت لديه وهو في رحم أمه”.
ما من أمانة في عنق العالم تفوق في قدسيتها الأطفال، وما من واجب يعلو في أهميته فوق احترام الجميع لحقوق الأطفال، لأن حمايتهم واحترام حقوقهم حمايةً لمستقبل البشرية بأسرها.
“حق الحياة” أوّلُ حقوق الإنسان، وهو حق ثابت لكلِّ إنسان كبيراً كان أم صغيراً. وقد خصّت التشريعات الدولية الطفل بنصوص عدّة تهدف لحماية حقه بالحياة، مع الإشارة إلى أن الحماية الخاصة للطفل تبدأ من أول لحظة من حياته، وأي اعتداء عليه أو على أمّه الحامل به يشكل اعتداءً على حق الإنسان في الحياة.
تهجير، قتل، قصف، اغتصاب، نزوح، تفجيرات….أحداث كثيرة تتعرض لها المرأة الحامل في ظل النزاع المسلح الذي تعيشه سوريا – في المناطق الساخنة – فتواجه المرأة الحامل جراء ذلك الكثير من التحديات الشديدة المستوى والتي تؤثر سلباً على الجنين وتؤثر على نموه من جميع النواحي منها:
سوء التغذية. 
الإصابة بأشكال مختلفة من الأمراض. 
التلوث البيئي.
الضغوط المستمرة والصدمات النفسية القوية.
مشاعر سلبية شديدة المستوى (قلق، خوف، غضب، حزن).
الإجهاد النفسي .
هذا ويرتبط الجنين خلال مراحل نموه بالأم ارتباطاً وثيقاً فسيولوجياً ونفسياً. فسيولوجياً لأن الدورة الدموية لكلٍّ من الجنين والأم متصلة، فكأنه عضو من أعضائها يعتمد عليها في التغذية. ويرتبط بها نفسياً لأن مشاعر الأم وأحاسيسها وانفعالاتها تؤثر على الجنين فيتفاعل معها.
حيث أكدت الدراسات الحديثة أن شعور الجنين بأمه يزداد بشكل مستمر مع الوقت. وهذا لا يتعلق بسماعه لدقات قلبها فحسب، ولكن الأمر يتعدى ذلك؛ حيث وجد أن الجنين يستلم إشارات كيماوية من الأم من خلال المشيمة.
الارتباط الفسيولوجي والنفسي بين المرأة الحامل والجنين:
يصل الحبل السري بين الجنين والأم عن طريق المشيمة، وهذا الارتباط الفسيولوجي يحقق له احتياجاته من الغذاء، فالمواد الغذائية التي يحتاجها الجنين لنموه يأخذها من دم أمه، لذلك فإن نقص غذاء الحامل وضعف شهيتها يؤدي إلى اضطراب في صحتها من جهة، وقد يؤدي إلى نقص في المواد الضرورية اللازمة لنمو الجنين من جهة أخرى، وبالتالي يكون تأثير ذلك سلبياً على سلامة بنيته.
ويرتبط الجنين بالأم من الناحية النفسية والعقلية، فمشاعر الأم وأحاسيسها وانفعالاتها وأفكارها تصل للجنين، فالقلق والخوف والغضب والفرح والاسترخاء والحزن والإحباط تصل جميعها عبر رسائل كيميائية – الهرمونات – تنتشر في دم الأم وتصل إلى دم الجنين عبر المشيمة فتؤثر فيه.
ومع تطوُّر وسائل مراقبة الأجنة تمكن الباحثون من متابعة سلوكيات الأجنة ومن مشاهدة حركاتها وردود أفعالها للمؤثرات الخارجية وتبين أن هناك علاقة بين الاضطراب الانفعالي للأم قبل الولادة وصحة المولود وسلوكه.
تتضمّن مرحلة ما قبل الولادة عدداً من العوامل التي تؤثر على الطفل قبل مولده والتي تؤدي إلى إصابته بالإعاقة في أحيان عدة منها:
إصابة الأم بالأمراض في المرحلة الجنينية
 تتعرض المرأة الحامل في ظل النزاع السوري للكثير من الأمراض وخاصة المرأة التي تعيش في المناطق الساخنة التي تعرّضت للتهجير وغيرها من الأحداث القاسية جداً، وهذه الأمراض من شأنها التأثير على صحة الجنين، فقد كشفت الدراسات الطبية عن وجود فيروسات تعيش في جسم الإنسان بعضها له أعراض ظاهرة والبعض الآخر ليست له أعراض، ولا يمكن الكشف عنها إلا بالتحليل المخبري، ولأن جسم الجنين لا يوجد فيه مناعة فهو غير قادر على تكوين الأجسام المضادة، فإذا انتقل إليه فيروس ما عن طريق المشيمة يفتك به بسهولة، ويؤدي ذلك إلى الإجهاض أو إعاقة نموه في الرحم وبالتالي قد يصبح وليداً مشوهاً.
هذا وقد حذر الأطباء في سوريا من أن المزيد من الأطفال يولدون بتشوهات خَلقية (عيوب ولادة)، وذلك نتيجة لانهيار نظام الرعاية الصحية، وأكدوا أن ذلك يعود لعدم حصول النساء على حمض الفوليك الذي يعطى للمرأة التي تريد الحمل لتقليل احتمالات إنجاب طفل لديه تشوهات في الأنبوب العصبي، ومنها انعدام وجود أجزاء من الدماغ.
فقد تم تسجيل حالات ولادة لأطفال يعانون من عدم وجود أجزاء من الدماغ، وعادة ما يولد هذا الطفل ميتاً، أو يموت مباشرة بعد الولادة. وسجلت هذه الحالات في شمال سوريا، حيث لم تعد توجد الخدمات الصحية المعنية بـرعاية ما قبل الإنجاب التي تقدم للمرأة التي تفكر في الحمل.
سوء تغذية المرأة الحامل
تعيش المرأة الحامل في المناطق الساخنة من سورية ظروفاً صحية سيئة، وخاصة التي أجبرت فيها على التهجير والنزوح، فتتعرّض لسوء تغذية بشكل واضح، وهذا يؤثر سلباً على صحتها وبالتالي صحة الجنين وسلامته. وقد يؤدي سوء التغذية الشديد إلى حدوث حالات من الإعاقة العقلية البسيطة لدى الجنين. 
هذا وإن سوء تغذية الأم الحامل لا يعني فقط نقص الأطعمة وإنما يتضمن أيضاً عدم تناول كميات كافية من العناصر الغذائية اللازمة للجسم، وقد دلت التجارب المستخدمة على بعض الحيوانات على أن سوء التغذية يؤدّي إلى نمو غير طبيعي في الدماغ، ووجد أن هناك ارتباطاً بين حالات سوء التغذية والولادات المبكرة ونقص وزن الطفل عند الولادة، وقد وجد أن هؤلاء الأطفال في العادة يكونون أكثر عرضة للإصابة باضطرابات الجهاز العصبي والشلل الدماغي وضعف الحنجرة وشق الحلق أو الشفة وغيرها حيث أن المصدر الوحيد لغذاء الجنين هو دم الأم.
ولذلك فإن الغذاء الذي يفتقر إلى العناصر الغذائية الضرورية يؤدي إلى اضطرابات في تكوين الجنين تظهر آثارها على هيئة تشوُّهات أو أمراض أو عدم اكتمال نمو الجنين أو فقدان وظيفة من وظائفه الحيوية أو تدني مستوى كفاءتها. 
وتؤكدُ الدراسات التي أجريت على عدد كبير من الأمهات الفقيرات تأثير التغذية خلال شهور الحمل، حيث بينت النتائج أن أعضاء المواليد مثل القلب والكبد والغدد الصماء كانت صغيرة الحجم في أطفالهن وذلك بالمقارنة بمواليد الأمهات اللائي يتمتعن برعاية صحية وغذائية خلال شهور الحمل.
التلوث البيئي
تعيش المرأة الحامل في مناطق النزاع الساخنة في جَوٍّ ملوّث وغير صحي خاصة تلك المناطق التي تعرضت لاستخدام الأسلحة الكيماوية والغازات السامة، هذا من شأنه أن يشكل خطراً كبيراً على صحة الجنين ونموه، حيث إن ملوثات البيئة لها تأثير سلبي على الجنين في كل مرحلة من مراحل عمره، فتكون السبب في عرقلة نموه أو في نموه بطريقة غير طبيعية وتعرضه للتشوهات والأمراض.
تسبب المواد الملوثة للبيئة إعاقة التصاق البويضة الملقحة في بطانة الرحم، أو حدوث الوفاة المبكرة للجنين، أو حدوث الإجهاض وذلك في حالة تعرض الأم الحامل لها خلال الأسبوعين الأول والثاني من الحمل.
 أما إذا تعرضت الأم الحامل للمواد الملوثة خلال مرحلة تكوين أعضاء الجنين في الفترة ما بين يوم وحتى اليوم الستين من الحمل فإن هذا التعرض يؤدي إلى حدوث تشوهات في مختلف أعضاء وأجهزة وأنسجة جسم الجنين، حيث يتأثر القلب بهذه المواد تأثراً واضحاً وذلك من منتصف الأسبوع الثالث حتى منتصف الأسبوع السادس، كما يتأثر الجهاز العصبي من بداية الأسبوع الثالث وحتى بداية الأسبوع السادس، ويتأثر نمو الأطراف ابتداء من نصف الأسبوع الرابع إلى نصف الأسبوع الثامن، والأسنان تتأثر من نهاية الأسبوع السابع إلى بداية الأسبوع التاسع.
من هنا حرّم القانون الدولي استعمال الغازات التي تؤثر سلبياً على النساء الحوامل، وأوجب معاملة النساء الحوامل معاملة خاصة في الحروب.
حالة الأم الانفعالية
على الرغم من أنه لا يوجد اتصال مباشر بين الجهاز العصبي للأم والجهاز العصبي للجنين فإن الحالة الانفعالية للأم تؤثر على انفعالات الجنين وتكوينها، لأن انفعالات الأم مثل الغضب
والخوف والقلق تثير الجهاز العصبي اللاإرادي منتجة مواد كيميائية معينة تسير في الدم، وتؤدّي إلى تغيير التمثيل الغذائي للمواليد. فتتغير مكوّنات الدم، وتنتقل مواد كيميائية جديدة عبر المشيمة محدثة تغيراً في دم الجنين .
وقد تكون هذه المواد مثيرة للجنين إذ لوحظ أن حركات الجنين ازدادت مئات المرات عندما كانت أمهاتهم تواجهن ضغوطاً انفعالية، ولو استمر التقلُّبُ الانفعاليُّ أسابيعَ عديدةً فإن حركات الجنين تستمر بمعدل زائد طول هذه الفترة. وعندما تكون هذه الاضطرابات قصيرة فإن حركات الجنين الثائرة تستمر لمدة ساعات، أما إذا استمرت طول مدة الحمل فسوف تحدث عواقب مستديمة في الطفل، وهنا تكمن المشكلة.
العوامل السلبية المؤثرة على نمو الجنين وصحته
نتيجة للظروف القاسية والأحداث الصادمة التي تعيشها المرأة السورية بشكل عام والمرأة الحامل بشكل خاص، تعاني جراء ذلك من مشاعر مختلفة أكثرها القلق والخوف والحزن والغضب…، كل منها يؤدي إلى إفراز هرمونات معينة حسب نوع الانفعال وشدته، تنتشر هذه الهرمونات في الدم وتؤثر على وظائف أجهزة الجسم. ففي حالة الخوف على سبيل المثال، تفرز الغدة الكظرية هرمون الأدرينالين الذي يجعل الجسم في حالة من التوتر والضغط.
وفي حالة الأم الحامل رغم أن دورتها الدموية منفصلة عن دورة الجنين الدموية، إلا أنه أصبح مؤكداً أن التغيرات التي تحدث في دمها بسبب انفعالاتها تنتقل للجنين عن طريق المشيمة فتؤثر فيه.
وقد ذكر الباحثون أن المشاعر السلبية المؤثرة على الجنين هي المشاعر العنيفة الناتجة مثلاً عن وفاة الأب أو الابن أو الزوج وليست المشاعر الاعتيادية التي من الممكن أن تمرَّ على أيِّ إنسان في حياته اليومية، وللأسف كثيراً ما تتعرّض المرأة السورية الحامل لمشاعر عنيفة وعنيفة جداً.  
غضب المرأة الحامل يؤثر على قلوب الأجنة 
أكدت الدراسات أن التصرفات الغاضبة التي تنتج عن الحامل قد تؤثر على نمو قلب الجنين، وأن النساء اللاتي يغضبن خلال فترة الحمل تكون أجنتهن تحت خطر التعرُّض لمشاكل قلبية.
وإن التغيرات الهرمونية في جسم الحامل التي تسبب مثل هذه التصرفات العنيفة قد تمر عبر المشيمة إلى الجنين، وقد يكون لها تأثير على طريقة نمو خلاياه.
الضغوط المستمرة والصدمات النفسية
تتعرض الأم الحامل في ظل النزاع السوري المسلح للضغوط بشكل مستمر والتي تختلف في شدتها، كما تتعرض لصدمات نفسية مختلفة بسبب ما تشهده وما تعيشه من أحداث قاسية، هذا كله يؤثر سلباً على الجنين فيصبح أكثر نشاطاً وأقل استقراراً. وبعد ميلاده غالباً تميل حالته المزاجية الانفعالية للسلبية فيكون عصبياً، تهدئته صعبة، وربما يعاني من نشاط مفرط وحساسية زائدة، الميل للبكاء المستمر، وقد يعاني من التوتر، بطء في ردود الأفعال، اضطراب في عادات النوم والرضاعة، حساسية شديدة للبيئة المحيطة به. وقد تؤثر على النمو الفكري للطفل وتظهر اضطرابات السلوك عنده.
هذا يعني في نهاية المطاف أن الطفل العصبي ليس نتاج مرحلة الطفولة الأولى فقط، فقد يكون نتاج مرحلة حمل تفتقر إلى الظروف النفسية الملائمة لنموه.
هذا وإن الضغوط المستمرة والصدمات النفسية القوية تزيد من إفراز الجسم لهرمون «الكورتيزون» نتيجة التوتر والضغط العالي. ويلعب هرمون الكورتيزون دوراً مهماً في وظائف معظم أعضاء الجسم، وزيادة إفرازه ينقص مناعة الجسم، وينتقل في حالة المرأة الحامل للجنين فيؤثر على نمو نظام المناعة الطبيعي لديه.
وقد تؤدّي الضغوط النفسية التي تتعرّضُ لها الأمُّ في الشهور الثلاثة الأولى للحمل إلى زيادة احتمال ولادة طفل يعاني من عيوب خلقية في جهازه العصبي.
كما أن مشاهدة الأم الحامل لمناظر الحرب  يمكن أن تؤدي إلى الولادة قبل الوقت المناسب لأن مشاهدة هذه المشاهد القاسية يؤدي إلى اضطرابات في الحالة النفسية.
كما أن الضغوطات النفسية القوية التي تنتج عادة عن الأحداث الموترة قد تؤدي خلال الحمل إلى إصابة الجنين باضطرابات أو تشوهات خلقية كالشرم الحلقي أو ما يعرف بانشقاق الشفة والحلق وغيرها من الحالات غير الطبيعية.
وفسّر العلماء أن الضغط النفسي يسبب ارتفاع مستويات هرمون التوتر «الكورتيزون» في الجسم، مما يؤدي إلى زيادة نسبة السكر في الدم، وانخفاض نسبة الأوكسجين في الأنسجة، وهما العاملان الرئيسيان اللذان يتسببان في إصابة الجنين بتشوهات خلقية.
قتل الأجنة السوريين وتردي مستوى العناية الصحية
لم يسلم الأجنة في بطون الأمهات وحديثي الولادة من النزاع المسلح الذي تعيشه سوريا. حيث أعربت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف” عن قلقها لتزايد وفيات الأطفال في سوريا، وأشارت إلى النقص في المعدات الضرورية مع تأثر المنشآت الطبية جراء استمرار العنف. وأكدت المنظمة عقب زيارات ميدانية إلى محافظة الرقة إلى أن “العديد من المواليد الخُدَّج بالمحافظة ماتوا بانتظار حاضنة”. ونقلت عن عاملين في القطاع الصحي إلى تزايد حالات الولادة المبكرة والإجهاض. 

شاهد أيضاً

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

عسكريون أتراك يطالبون أهالي جبل الزاوية بالعودة إلى منازلهم

عقد ضباط أتراك، اليوم الثلاثاء، اجتماعاً مع ممثلين ووجهاء عن منطقة جبل الزاوية جنوبي محافظة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *