تيم أبو بكر- دير الزور
عندما تتجوّل في ريف دير الزور وسواء كانت الرياح غربية أم شرقية ترى وبكلّ وضوح غيوماً سوداء تشبه غيوم الأعاصير والكوارث تُغطِّي السماء هناك، ودون السؤال عن مصدر تلك الغيوم وسبب تشكلها سيعلم أي زائر لريف ديرالزور أن من يقف وراء تلك الكارثة هي الحراقات النفطية البدائية المنتشرة في الأرياف.
فمنظر الغيوم تلك بدا مألوفاً لأهالي المناطق هناك وكأنه صار جزءاً من حياتهم اليومية.
يقول الأهالي هنا أن في أواخر شهر أيار من عام 2012 وبعد تحرير الريف الشرقي بالكامل من مدينة البوكمال وصولاً إلى منطقة الصالحية مدخل مدينة ديرالزور من الجهة الغربية بدأت قصة البحث عن النفط واستخراجه، وكان للأمر مراحل متتالية، فيروي لنا: “جاسم” أحد المدنيين في ريف ديرالزور الشرقي تلك المراحل “عندما حرّرَ الجيشُ الحرُّ مدينةَ البوكمال، وبدأ بالزحف نحو الريف وتحرير المدينة تلو المدينة والكتيبة تلو الكتيبة، استولى الجيش الحر خلالها على عدة آبار للنفط المنتشرة بكثرة في المحافظة وبعد التحرير عاد الناس إلى حياتهم اليومية، مع بقاء السيطرة للجيش الحر على تلك المناطق”.
مشيراً إلى أنه عند انتهاء أية معركة يتم تقسيم الغنائم كما جرت العادة، لكن هذه المرة لم تقتصر الغنائم على الآليات الثقيلة أو الذخيرة فقط، حيث ظهرت من بين تلك الغنائم آبار النفط الموجودة هناك، فبادرت الأطراف بوضع يدها على تلك الآبار قبل غيرها وانقسمت بين الجيش الحر المشاركين في المعارك وبين العشائر القريبة من الآبار وبات القانون السائد للحصول على أي بئر هو المسارعة إليه قبل أن يسبقك غيرك إليه.
وهكذا تمت عملية تقاسم النفط في ديرالزور دون الاحتكام إلى هيئات شرعية أو قضائية فهي على حد قول جاسم لم تكن موجودة آنذاك ..
وبدأت بعد ذلك عملية استخراج النفط من تلك الآبار عن طريق جعل ثقوب في أنابيب الضخ الواصلة بين نقطة وأخرى، ليخرج النفط من تلك الأنابيب ثم يُعبّأ في صهاريج وبراميل، ويأخذ كلُّ مشارك في تلك العملية حصته، ويذهب بها.
وأضاف جاسم أن هؤلاء الناس قد واجهوا الكثير من الصعوبات، فبعض تلك الآبار كان قد تتوقف عن الضخ بسبب فترة الانقطاع الطويلة لنشوب الحرب ولتعطل المراقبين والموظفين المشرفين عليه.
موضحاً أن تجار النفط عجزوا في البداية عن استخراج النفط، لكنهم لم يدخروا طريقة في ذلك حتى استعانوا أخيراً ببعض الفنيين من ذوي النفوس الضعيفة الذين نصحوا باستخدام مواد تلقى داخل البئر لتهيّجَها ثم إغلاقه والعودة له بعد فترة من الزمن فيكون قد أصبح صالحاً للعمل، وهذا ما حدث فعلاً، وباتت أغلب الآبار تعمل، وأصبحت العشيرة التي لا تملك بئراً تذهب وتبحث عن الآبار التي حفرها النظام إبان فترة حكمه لكنه لم يكملها.
ولنتعرف على كيفية تكرير النفط التقينا “مصعب” أحد الفنيين الذين كان يعمل سابقاً في حقل العمر النفطي:
في البداية معمل “الكونتستات ” وهو معمل منتج للغاز وكان يزود حقل العمر بالغاز لتوليد الطاقة الكهربائية و يضم عدة آبار جاهزة للعمل والتي تنتج مادة البنزين الأحمر الذي بات يستخدم بكثرة في تشغيل مولدات الكهرباء
كما أن هناك آباراً تضخُّ مادة الكاز والباقي تضخُّ النفط الخام”الثقيل” والذي يحتاج إلى تكرير
وأوضح “مصعب” أن عملية التكرير تتمّ عن طريق وضع النفط في برميل أسطواني
ويقومون بإشعال النار تحت البرميل الذي يوجد بداخله أنبوب معدني يمر بحفرة مليئة بالماء من أجل التبريد ويخرج منه المواد أول تلك المواد المفرزة هو الكاز لأنه خفيف من ثم البنزين، فالمازوت، وأخيراً الشحم.
وتتم هذه العملية في الأراضي الزراعية وتحت ظروف غير صحية البتة ودون أخذ الحيطة والحذر، وقد تعرض الكثير للموت بسبب انفجار تلك المواد واحتراقها .
وأضاف مصعب أن تجار النفط كانوا يقومون بملء الخزانات من النفط غير المكرّر وبيعه على الحدود، أما المكرّر منه فيباع داخل الأراضي السورية كما أنهم قاموا مؤخراً باستقدام حراقات آلية من تركيا.
يرى الأهالي أن حراقات النفط والتكرير العشوائي قد أدّى إلى أضرار كبيرة في صحتهم وفي الأراضي الزراعية بسبب الدخان الناتج أثناء عملية التكرير
وقد بدأت تلك الأعراض بالظهور فأغلب الأراضي الزراعية القريبة من الآبار المستخدمة قد أصبحت غير صالحة للزراعة، ولن تعود تلك الأراضي إلى العمل قبل عشر سنوات وإن عادت ستعود بإنتاج قليل جداً كما أفادنا “خليل” مهندس زراعي.
وعلى الصعيد الصحي، هناك موجة من الأوبئة تجتاح محافظة ديرالزور
من التفوئيد والملاريا إلى أمراض الجلد وصولاً للتشوُّهات الخلقية والجنينية
وقد زرنا أحد المراكز الصحية في الر،يف الشرقي للمحافظة وأطلعنا الدكتور “عبدالفتاح” على الوضع الصحي.
بات لا يخفى على أحد أن استخراج النفط العشوائي وتكريره بطرق بدائية هو السبب الرئيسي للعديد من الحالات التي تواجهنا كل يوم، وقد نبّهنا لهذا الأمر منذ اليوم الأول لأن الدخان المنتشر في الهواء مليء بالأوبئة والغازات السامة والقاتلة.
وهذه الغازات منتشرة في الجو، وأيُّ شخص معرّض لاستنشاقها، ونحن على مستوى مخبر صحي قد أتتنا ثلاثون حالة تشوُّه في النطاف لدى الرجال من ثمانية أشهر أي منذ بدء العمل العشوائي في النفط فعليك أن تتخيل حجم الضرر الذي نعيشه اليوم، ومن المؤكد أن الآن ليس هناك إحصائية دقيقة تكشف عن حجم الاصابات .
وأضاف الدكتور عبد الفتاح أن حالات التشوه الجنيني تتزايد كل فترة والآن بين يدي عشر حالات ناهيك عن الوفيات في صفوف مرضى الربو الذين لم يعودوا يستطيعون العيش دون الأوكسجين بعد تطوّر حالات الرّبو عندهم.
الخطر الأكبر يكمن في الناس الذين أصابهم مرضُ السرطان، ونحن هنا ليس لدينا الإمكانات الكافية لإجراء التحاليل المناسبة.
لم تقتصر أضرار “الذهب الأسود ” على الأراضي الزراعية وعلى صحة الإنسان، فكل يوم هناك عشرات الحوادث التي تودي بحياة الناس بسبب انتشار النفط في الطرقات بعد تساقطه من سيارات تجاره. الذين يذهبون لبيعه وجلب المال الذي وكما يقول الأهالي سيصرفونه بالتأكيد على صحتهم في المستقبل.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث