الرئيسية / رأي / من يوجّه مسار الثورة؟؟

من يوجّه مسار الثورة؟؟

نبيل شبيب
لم تعد بقايا النظام تملك من أمرها شيئاً، فهي على كفّ العفريت الروسي والإيراني، وبقايا كيمياوية إذا اكتمل تنفيذ صفقتها غاب حرص قوى غربية وإقليمية على استبقاء بقايا النظام.. 
وما انقطع البحث عن بديل عن بقايا النظام، وأهم ما يراد من البديل في الوقت الحاضر هو التصدّي لما تسميه تلك القوى بالإرهاب وفق تصنيفاتها التي تجعل التخلص من “التوجه الإسلامي” أهم ما يضعون له عنوان “الحرب على الإرهاب”.
أما الملايين من المُشرّدين داخل الوطن وخارج الحدود، فلا يستطيعون تحويل مسار الثورة في الاتجاه الذي يريدون.
شرطان.. لتوجيه مسار الثورة
يوجد من يطرحون مسألة توجيه مسار الثورة الشعبية في سورية عبر مقولات متعددة.. منها:
(١) القوى الدولية تتحكّم في مسار الثورة ويجب التعامل معها على هذا الأساس..
(٢) يدور صراعٌ إقليميٌّ وإيران طرف فاعل فيه فيجب العمل للتأثير عليها..
(٣) لا غنى عن الأداة السياسية، وليس لدينا سوى الائتلاف، وإن بدأ العمل على إيجاد من يخلفه عبر “قرطبة”..
(٤) الثوار وحدهم من يملكون تحديد مسار الثورة بما يصنعونه على الأرض، ولا يمكن فرض ما لا يقبلون به.
هذه مقولات لا جدوى منها عندما يتبنّى بعضنا إحداها، ويغفل عن الأخرى، فصناعة الأحداث الكبيرة لا يمسك بزمام مقودها “الرئيسي” طرفٌ واحدٌ بالمطلق!..
إذا كان غالب المخلصين يرى ضرورة أن يوجه الثوار مسار الثورة، فلا غنى عن شرطين متكاملين للعمل:
١- تطهير مسار الثورة ذاتيا لزيادة قوة ما تصنعه على الأرض.
٢- العمل الفعال الهادف للتأثير على العناصر الثلاثة الأخرى.، وهي عناصر سياسية، ويجب أن يكون التأثير سياسياً.
التطهير الذاتي مهمة مزدوجة
لا يذهبّن القارئ إلى الظنّ أن المقصود بتطهير الثورة ما يجري أو بعض ما يجري شمال الوطن تحت عنوان “الحرب على داعش”. 
هذا واجبٌ تتخلل الأخطاءُ أداءَهُ، ويؤمل ألا تبلغ مستوى خطايا فاحشة، ولكن الواجبات الحالية أكبر وأوسع، بل وأكثر تعقيداً وتشمل مختلف الفصائل المسلحة وحتى العاملين في القطاعات المدنية.. 
ليس هذا من باب “لومها” وهي -على ما فيها- خير شأناً وأعظم عطاءً من كل من يلومها، إنما لا يزال جميعنا يكتفي بتوجيه السبابة إلى المريض، ويقول: علامَ أنت مريض؟
لا يفيد القول هذا “مرض” أو هذا “معيب” أو هذه “خيانة” أو هذا “استغلال”.. إلى آخره، فمكمن المشكلة أن الإصابات انتشرت، وتنتشر لغياب المناعة بمفعول العقود الماضية، أي غياب القادرين على التعامل مع الإصابة بصورة هادفة لا تسبب تفاقم المشكلات بدلاً من حلها!..
بتعبير آخر: يجب أن يشمل مسار الثورة مهمة مزدوجة في وقت واحد: أداء المسؤولية الجسيمة المتمثلة في عملية التطهير الذاتي والإصلاح المتوازنة الناجحة، وعملية تأهيل القادرين على أداء هذه المسؤولية فعلاً دون أن يكون مفعول الدّواء أسوأ من الدّاء نفسه.
التأثير السياسي رهن بالتّطهير الذاتي
إن عملية التطهير الذاتي والإصلاح ضرورية للتأثير السياسي على العناصر السياسية الثلاثة الأخرى، ولكن لا يعني ذلك أنهما مرحلة بعد أخرى.. بمعنى أن التأثير لا يبدأ إلا بعد اكتمال عملية التطهير، ولا سيما أنها عملية لا تنتهي فهي تطور نحو الأفضل، وهذا واجب دائم وضروري حتى تفارق الأرواح الأجساد.
ولكنّ الأمورَ نسبيةٌ، وواجب مضاعفة الجهود للتطهير الذاتي والإصلاح أصبح شديد الإلحاح الآن. 
الميادين متعددة والمسؤوليات كبيرة، ولا يفيد فيها تبادل الاتهامات وتدافع المسؤوليات و”إنتاج” الكلام أكثر من بذل الجهد الهادف.
ما يحتاج إلى تطهير وإصلاح في مسار الثورة كبير.. ولكن ليس “أضخم” مما ينتظر في كل حدث تاريخي كبير.. 
تضخيم المشكلات أخطر من المشكلات نفسها، كذلك التهوين من شأنها.. إنما المطلوب سلوك سبيل علاجها بمواجهتها في ميدانها مباشرة، وليس عبر “العالم الافتراضي” أو بأسلوب “التنفيس عن الغضب والألم” أو بنفسية “المتعالي” عن بعد على أهله وثوار بلده وشهدائهم وضحايا أخطائهم.
إنَّ معيارَ الجديّة هو طرح الحديث عن مشكلة ما، على أرضها، ومع القادرين على حلها.
والتطهير الذاتي والإصلاح عملية متواصلة متحركة، تعلو وتهبط، وتتقدم، وتنتكس، وتنجح وتخفق، والمهم هو الحصيلة، والأهم أضعافاً مضاعفة هو إدراكنا أن “تأثير الثورة” على القوى الدولية والإقليمية والسياسية، التي تريد توجيه مسارها، رهن بمستوى ما يتحقق من التطهير الذاتي والإصلاح، ارتفاعاً وانخفاضاً، إلى أن تظهر الحصيلة النهائية، ونعتقد اعتقاداً جازماً أنها ستكون نصراً مبيناً كبيراً، ولكن يمكن أن تكون أيضاً سقطة تاريخية خطيرة.. إذا تأخر شرط التّطهير فانهار شرط التأثير، أو إذا وأدنا الثورة في أنفسنا فغبنا عن مسارها في الواقع القائم المتغير باستمرار من حولنا.
من معالم التأثير الثوري المطلوب
إن استكمال العمل على توجيه مسار الثورة، مرتبطٌ بالتأثير سياسياً على الجهات التي تعمل على امتلاك هذا المسار، كل منها لمصلحة مآربه أو ما يحقق مصالحه المشروعة وغير المشروعة.
للقوى الدولية مآربها وحساباتها، ولكن لا تملك التحرُّك في نطاقِ حدثٍ مُعيّنٍ، إلا من خلال من تستطيع الوصول إليه من القوى الفاعلة مباشرة في الحدث.. وهذه “أدوات” داخل صفوف الثورة، أو من يعتبر نفسه من الثورة، فيجب التواصل معها والتأثير عليها كي تتحول من أدوات تعتمد عليها القوى الدولية إلى عناصر أساسية من تأثير الثورة على القوى الدولية..
وللصراع الإقليمي جذورُه وأسبابُه وعناصره وقواه وتأثيره على مسار الثورة، وسوريا جزء من المنطقة التي سبق تقسيمها جغرافياً وسياسياً، بل الأخطر من ذلك تمزيق مصالحها وفق ارتباطاتها بالقوى الدولية، ويجب أن يكون تحرير سوريا من ويلات الصراع الإقليمي جزءاً من طرح مستقبلي بديل عن الصراع، فلن يتوقف الصراع دون وجود بديل فاعل ومقنع يحقق المصالح المشروعة، المشتركة والانفرادية.
كما ينبغي التعامل مع عنصر “السياسة السورية” أنها جنين يولد في مخاض الثورة، سواء في ذلك من تعاملوا، ويتعاملون مع الثورة بوسائل تقليدية مرفوضة، أو باعتبارها “حدثاً” يحقّق للسياسيين “أهدافهم”، أو أولئك الذين تحركوا لأول مرة في غمار الحياة السياسية، ولم يمتلكوا حتى الآن القدرة على التأثير السياسي وفق مصلحة الثورة والشعب والوطن.
إنّ ما تحتاج الثورة إليه في جميع ما سبق هو ارتفاع مستوى السياسة إلى مستواها، بغضّ النظر عن “قوالب العمل السياسي”.
وما سبق مجرد “عناوين” لبعض ما يجب أن تحمله القوى الثورية المخلصة على عاتقها، وهذا ممّا يوجب تكرار التأكيد مرة بعد أخرى:
إن ما ظهر من تشكيلات كبرى للقوى الثورية داخل الوطن يحمل الآن مسؤولية استكمال ما يطرح من أهداف سياسية بعيدة وعناوين عامة وتصورات ذاتية في صيغة “كليات كبرى”، بأن يضع بالتعاون مع المخلصين رؤية متكاملة الأركان، ومشروعاً متين البنيان، وأهدافاً بعيدة ومرحلية في نطاق مخطط مرن قابل للتعديل، ينطلق من الإمكانات الحالية ومن حسن توظيفها، وتنميتها وتطويرها، واستكمال الناقص منها.
من دون ذلك تزداد أصوات شاذة تتحدّثُ عن تأبين الثورة دون أن يكون لأصحابها ناقةٌ فيها ولا جملٌ ولا قطرةُ دمٍ.. فتساهم في التثبيط من خارج مسار الثورة.
ولكن من دون ذلك أيضاً “نتمنّى” من منطلق الإخلاص للثورة والشعب والوطن والأمة والإنسان، أن تمتلك الثورة زمام مسارها بنفسها.. ونعلم أنّ التمنّي لا يغني عن العمل شيئاً.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *