وردة مصطفى
“إن الفيروسات موجودة في الأجساد فهل هناك إمكانية لشرعنة تواجدها أم علينا مكافحتها عن طريق علاج معين؟
فلماذا نقبل بمكافحة الفيروسات في حالات المرض حتى يتعافى جسد الإنسان بينما نشرعن وجود هذا الفيروس الخطير (الدعارة)!! في الوقت الذي يتوجب علينا القضاء عليه قبل أن يُفسد الجسد الاجتماعي.. فهذا النوع من الفيروسات هو كالسوس الذي سينخر في المجتمع والذي سنحصل آثاره في المستقبل حيث أنه ليس أمر سلبي فقط بل هو كارثة حقيقية”.
تمشى وسط الخيام البلاستيكية في أحد أطراف المخيم الصحراوي المترامي الأطراف المكدس باللاجئين السوريين فتشير إليك شابة جميلة وصغيرة.
“تعال.. وستقضى وقتا جميلاً'” هكذا قالت ندى البالغة من العمر تسعة عشر عاماً، والتي فرت من مدينة درعا بجنوب سوريا إلى الأردن قبل شهور، أما أبوها، ذو اللحية التي غزاها الشيب والذي يرتدي غطاء رأس تقليدياً، فيجلس تحت الشمس الحارقة وهو يشاهد الموقف صامتاً. والواقع أن ندى تبيع جسدها مقابل ما يساوي سبعة دولارات، بل إن الأمر قابل للتفاوض، ويبلغ دخلها اليومي في المتوسط ما يساوي نحو سبعين دولاراً.
المرض الاجتماعي المزمن في ظل النزاع المسلح الذي تعيشه سورية يتمثل في النساء والفتيات اللواتي أجبرتهن ظروفهن على اللجوء للجنس من أجل البقاء، وعلى عرضه للزبائن المفترضين في الشوارع، وللأسف حيث يبيع البعض بناتهم أو زوجاتهم، في حين يتعامل آخرون مع قوّادين.
“لن أترك عائلتي تجوع، ولو بعت جسدي وحرقت روحي ألف مرة”
ثلاثة أرباع اللاجئين السوريين نساء وأطفال..شريحة هَشّة تطحنها المحنة، فتجد بعض اللاجئات أنفسهن أمام باب أخير: “الدعارة” والدافع لهؤلاء هو تأمين المال والغذاء لعائلاتهن باعتقاد منهنّ أن لا خيار لديهنّ غير اللجوء لما يسمونه (الجنس من أجل البقاء)، خاصة أن عدداً كبيراً من النساء هربن دون أزواجهن – وفي بعض الأحيان مع أطفالهن – في ظل مصادر دخل ضئيلة أو معدومة”. من هنا أجبر الفقر المدقع مزيداً من النساء السوريات على مقايضة أجسادهن بالمال والغذاء أو بمبالغ زهيدة في ظل غياب أي أفق لتوقف تيار اللاجئين السوريين إلى الخارج.
وتتزاحم الأمثلة والوقائع التي تؤكد تعرُّض بعضِ النازحات السوريات الهاربات من ويل الحروب في سورية للاستغلال الجنسي حيث يتم إرغامُهنّ على معاشرة بعض الرجال والزواج بهم زواج المتعة مقابل مبالغ مالية، هذا وقد تم ضبط العديد من حالات الزنا والاغتصاب في الدول التي لجأ إليها السوريون تورّطت فيها سوريّات نازحات من سوريّة بالإضافة إلى الكشف عن شبكات للدعارة بهم والمتاجرة بأجسادهن.
هذا وقد نشرت العديد من وكالات الأنباء العالمية حكايات عن استغلال الفتيات السّوريات القاصرات من قبل أثرياء خليجيين، ظاهرة تتجاوز أبسط القيم الإنسانية في فصول المأساة السورية، حكاياتٌ أبطالها آباءٌ نازحون تذرعوا بالحاجة ليبيعوا بناتهم لأثرياء خليجيين مقابل حفنةٍ من مئات الدولارات لليلة الواحدة.
يقول “محمد أبو زريق (50 عاما) حارس المخيم من درعا “إنه إلى جانب الدعارة تباع بعض النساء في المخيم بشكل علني”.مضيفاً أن جاره باع ابنته لرجل سعودي من عمره مقابل مبلغ 2000 دولار”.
وهناك حالات لنساء سوريات يتعرضن لضغوطات كثيرة، ولم يرضخن لها، “عفاف أم لطفلين تبلغ من العمر 26 عاماً، تقول إنه حتى عمال الإغاثة يطالبون بتنازلات جنسية، وهذا ما تتعرض له يومياً في إحدى المؤسسات الخيرية لكنها لم ولن ترضى بأي تنازل حتى لو كلفها ذلك حياتها”.
وسائل متعددة للاستغلال
هناك وسائل مختلفة يتم اعتمادها من أجل استغلال النساء جنسياً، وخير مثال على ذلك الإعلانات الخاصة بطلب خادمات سوريات والتي تعتبر وسيلة للاستغلال الجنسي، وترويج للأعمال غير الأخلاقية بطريقة غير مباشرة، ما يعني توفر النوايا لدى أصحاب الإعلانات لاستغلال الحاجة لبعض اللاجئات والقيام باستغلالهن جسدياً عن طريق طلبهن للعمل كخادمات أو رعاية لكبار السن وغيره.
لماذا تلجأ بعض النساء إلى الدعارة
تعود أهمُّ أسباب لجوء النساء إلى الدعارة بشكل عام إلى التفكُّك الأسري، انعدام الحماية، عدم وجود الأهل، الحاجة المادية، غياب الرقابة..وحتى تؤثر هذه العوامل حقاً يجب أن تجد الأرضية المؤهلة عند المرأة للتأثر واللجوء إلى الدعارة.
لكن يجب الإضاءة أيضاً على أن الدعارة قد تكون “مهنة” فهناك نساء سوريات في المخيّمات خاصة “يمارسن الدعارة لأنهنّ يرغبن في ذلك أو اعتدن على ذلك، وليس من أجل المال أو من أجل أسرهن الفقيرة”.
الأثر النفسي للدعارة على الأسرة والمجتمع
الآثار النفسية للدعارة سلبية حتماً، تنعكس على الفرد وعلى الأسرة وبالتالي على المجتمع، فأمراض الدعارة لا تقتصر على المكان الذي تمارس فيه، ولكنها تمتد إلى خارجه، فيؤثر على العلاقات داخل الأسرة وعلى العلاقة الزوجية بشكل خاص، وينعكس كل ذلك على الأبناء، فيتهدد كيان الأسرة المتماسك من فعل الدعارة.
كما وتضر الداعرة بأفراد المجتمع من خلال ممارستها المضادة للمجتمع ونشر الدعارة بحد ذاتها وما يرتبط بها من أمراض تنقلها إلى الآخرين مثل مرض الإيدز.
حلول لمواجهة الدعارة
إذا أردنا أن نحارب ظاهرة فعلينا أولا أن نبحث عن سبب نشوئها، فكما أن لكل فرد في المجتمع حقوقاً، ولا يحق لنا أن نطالبه بواجباته وأن ننهيه عن فعل الأخطاء قبل أن نعطيه كامل حقوقه غير منقوصة.
لابد من أن يكون هناك توعية شاملة للمجتمع لتعلّم المرأة بأن هذا الجسد هو ثروة عملاقة لا تضاهى بكنوز الكون، وهذا يجعل من الإعلام شريكاً والتربية شريكة والمسجد والكنيسة شريكين والنظام المجتمعي شريكاً.
كما يجب تشديد العقوبة على الممارسين والعاملين بالدعارة والبغاء، ومع غياب القانون والفوضى السائدة في ظل النزاع المسلح الذي تعيشه سورية ..تبقى الأخلاق والقيم هي الملجأ… ورقابة الضمير هي الأساس.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث