وردة مصطفى
لم يكن بالتأكيد الزفاف الذي تحلم به هدى التي لم تتجاوز ال13من عمرها.. ولا الحياة التي ربّما تمنّت أن تختارها بنفسها في يوم من الأيام، وهي اليوم تبدو بوجهها الطفولي ونظراتها الحائرة عاجزة عن تقديم أدنى متطلبات الرعاية لطفلها الذي وضعته بعد أقل من سنة على زواجها، حالها كحال عشرات الفتيات اللواتي فرض الصراعُ الدّائرُ في سوريا ظروفاً قاسية على عائلاتهن، ليغدو الزواج -وإن كان مبكراً- الملاذ الممكن الوحيد.
يعيش اللاجئون السوريون أوضاعاً مأساوية على جميع المستويات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية بسبب تضخم أعداد اللاجئين والتراجع الملحوظ في حجم المساعدات الإنسانية المقدمة لهم…تكافح الكثير من النساء من أجل توفير الاحتياجات الأساسية، وبالكاد يستطعنَ دفع الأجرة الشّهرية للشقق المكتظة، أو يقبعنَ في مبانٍ مهجورة أو مخيّمات مؤقتة. معظمهنّ لا يستطعنَ العمل بشكل قانوني وليس لهنّ مصدر دخل ثابت”. ونتيجة لذلك، تلجأ بعض النساء إلى استراتيجيات بقاء محفوفة بالمخاطر مثل الزواج المبكر أو الزواج بالإجبار أو مبادلة الجنس بالطعام أو السَّكن.
استغلالُ النّساء السّوريات
تتعرّض النساء اللاجئات للاستغلال بشكل كبير جداً، وتتزاحم الأمثلة التي تشهد على ذلك، فهذا القاضي الذي تزوّج بنت يتيمة لمدة خمسة أيام، وتخلى عنها، وبالوقت ذاته يتزوج من العائلات الفقيرة، ويكتب الكتاب على ورقة كزواج أشبه بالعرفي دون حضور شهود ثم يتخلى عن النساء بعد أيام،، وهذا “شيخ سعودي آخر تزوّج امرأة أرملة لديها 4 أولاد”. أما أبو خالد فقد تزوج من أرملة وهو الآن يشحذ على ابنها”، “وآخر تزوّج امرأة لديها ولدٌ وزوجها الآن يكتب على تويتر أن هناك ولداً يتيماً يحتاج إلى المال ليستغلّ التبرعات”. هذا غيض من فيض يعكس شكلاً من أشكال الاستغلال الفادحة التي تعيشها النساء السوريات في ظل النزاع المسلح.
التحرش الجنسي “وصمة يواكبها تحرّشٌ”
ترفع فاتن (29 سنة) القادمة من حي الوعر في مدينة حمص منديلها الرث لتمسح دموعها التي تنهمر بلا انقطاع، مستعيدة في ذهنها صور أربعة عمّال حاولوا التحرش بها داخل حمام مختلط في مخيم الزعتري للاجئين. وإلى جوار خيمة متهالكة تحول لونها إلى بني داكن بفعل غبار الصحراء، تربعت فاتن على الأرض، ساعية إلى لملمة أوجاع وأحزان لا تفارقها كما تقول. وأخذت تتحدث بصوت تخنقه العبرات: «كم هو صعب أن نعامل على أننا سبايا…!».«أخشى على نفسي من البقاء هنا، فقد تعرّضتُ لكابوس». وتخيلت فاتن تلك اللحظات، عندما كانت تصرخ، وتتوسل سكان الخيام المجاورة، لتخليصها من عمال صيانة تجمّعوا لاغتصابها.
تتعرض اللاجئات السوريات بشكل خاص “للتحرش الجنسي” جراء ما يعانينه من محنة اللجوء التي يواكبها ضعف أوضاعهن الاقتصادية وهشاشتها، يترك هذا التحرش آثاره الكبيرة على المرأة، فقد ذكرت بعض اللاجئات السوريات أن هذا التحرُّش قد حمل أزواجهن على الإفراط في حمايتهن والحدّ من حرية حركتهن. وفي بعض الحالات، يظهر أن التوترات الأسرية الناجمة من هذه الضغوطات قد أدت إلى وقوع حالات من العنف الأُسري.
وخير مثال على هذه المشكلة قصة السيدة فرح والدة الأطفال الثلاثة التي تبلغ من العمر28 عاماً، تقول أنها قد آثرت في إحدى المناسبات تحمُّل العطش طوال يوم كامل إلى حين عودة زوجها من عمله، بدلاً من الاتصال بشركة تزويد مياه الشرب في الحي الذي يقيمون فيه، وذلك خوفاً من قيام عاملي إيصال قوارير مياه الشرب بالتحرُّش بها، مما سوف يثير غيرة زوجها وتثور ثائرته.
الزواج المبكر “عرائس سوريات متدنيات التكلفة”
“ليس لدينا بنات للزواج”؛ اعتادت خولة الردَّ بهذه الكلمات على الرجال العرب أو الأجانب الذين يطلبون منها يد ابنتها البالغة من العمر 14 عاماً عندما يأتون باحثين عن عروس، وكغيرها من اللاجئات السوريات، فلقد اشتكت خولة من قيام رجال أردنيين دون كلل أو ملل بالتقدم لخطبتها أو الطلب منها أن ترتب لتزويجهم بفتيات من اللاجئات”. حال خولة كحال الكثير من النساء اللواتي يتعرضن لمواقف مشابهة وفي أغلب الأحيان أكثر قسوة وعنفاً من هذه.
الزواج المبكر ليس ظاهرة غريبة على المجتمع السوري، هو موجود ونسبته عالية وبخاصة أن مناطق النزوح هي المناطق التي كانت فيها نسبة الزواج المبكر مرتفعة، كالمنطقة الجنوبية والشمالية الشرقية في سوريا، ويصادف أن النزوح هو من أكثرية هذه المناطق، وببساطة فلقد قام اللاجئون باستيراد هذا التقليد ونقله معهم إلى المخيمات التي يعيشون فيها. وعلى الرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية، فإن اليونيسيف رصدت زيادة في زواج القاصرات السوريات من رجال أردنيين وخليجيين، وبعض الفتيات اللاجئات يتم تزويجهن بعمر 12 أو 13 سنة.
هناك زواج مبكر ولكن لا تجبر الفتاة فقط، الأهل أيضاً يجبرون في حالات الفقر والاحتياج، يقدم الأب أو الأم بناتهم للزواج. أما “زواج الأقارب المبكر” أحياناً يكون هناك قرابة كبيرة بين العائلات وخاصة السورية واللبنانية، هنا زواج الأقارب أنفسهم سواء زواج سوريين لسوريين أو سوريين للبنانيين، وبنظر الفتيات فإن هذا الزواج يساعد عائلاتهم وإن كان بمبلغ ضئيل من المال.
أسواق الزواج
نُشرت العديد من التقارير الإخبارية التي ترصد واقع المرأة السورية وخاصة اللاجئات في ظل النزاع المسلّح مسلطة الضوء على حالات الزواج المبكر وطبيعتها بين اللاجئات السوريات، وتحدثت بعض تلك التقارير عما يُسمى “بأسواق الزواج” للاجئين، أو”الخطّابات” اللواتي يقمن بترتيب زيجات مؤقتة بين عرائس سوريات يافعات وخاطبيهُنَّ من دول الخليج.
وبحسب دراسة تقييمية من إعداد منظمة الأمم المتحدة للمرأة تركز على انتشار الزيجات المبكرة بين اللاجئات السوريات في الأردن، ونُشرت في تموز2013، اتضح أن العادات الاجتماعية و”شرف” العائلة ما انفكا يشكلان الدافع الرئيس وراء تزويج السوريين لبناتهم وهن ما زلن في سن الطفولة، وهي عوامل يظهر أنها أكثر أهمية من عامِلَيْ الحرمان الاقتصادي والفقر. هذا وإن غياب الخصوصية بشكل شبه كامل في المخيمات بالإضافة إلى انعدام الأمن قد لعبا دوراً هاماً في عدم إقلاع العائلات المقيمة في المخيمات عن هذه الممارسة. لكن بالطبع فإن سن العرائس اليافعة والنظرة الدونية إليهن كلاجئات مستضعفات يجعلانهن عرضة للاستغلال الجنسي وغيره من أشكال الإساءة ضمن إطار مثل تلك الزيجات التي قد يكون البعض منها عبارة عن زيجات مؤقتة.
آثار وتداعيات الزواج المبكر
إن هذا النوع من الزيجات قد يجعل الفتيات اليافعات غير القادرات على التعبير عن موافقتهن بحرية تامة، عرضة للإكراه وممارسة الضغط عليهن من البالغين، أو استغلالهن أو تعرضهن للإساءة، بالإضافة إلى خطر حدوث الحمل المبكر الذي يقود إلى وقوع مضاعفات صحية خطيرة وطويلة الأمد.
تواجه العرائس القاصرات مخاطر العنف وإساءة المعاملة والاستغلال، كما أن زواج الفتيات بسن الطفولة يؤدي في كثير من الأحيان إلى الانفصال عن الأهل والأصدقاء وسلبهن حرية المشاركة في النشاطات الاجتماعية، مما قد يكون له عواقب كبيرة على سلامة الفتيات النفسية والجسدية.
وتخالف الزيجات المبكرة القانون الدولي الذي يشترط إبرام عقد الزواج “برضا الطرفين الراغبيْن في الزواج وموافقتهما بكامل حريتهما ودون إكراه”. كما أن هذا النوع من الزيجات قد يجعل الفتيات اليافعات غير القادرات على التعبير عن موافقتهن بحرية تامة عرضة للإكراه وممارسة الضغط عليهن من البالغين، أو استغلالهن أو تعرضهن للإساءة.
ومن جهة أخرى فإن معظم الزيجات التي تتم بين اللاجئين السوريين هي زيجات غير مسجلة رسمياً، وهذا من شأنه أن يؤثر سلباً على قدرة تسجيل المواليد الجدد والحصول على بعض الخدمات التي توفرها المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
شبه الزواج
عائشة البالغة 22 عاماً من العمر طالبة الأدب الإنكليزي التي كانت تحاول البحث عن عمل، فكانت تجد الإجابة التالية بانتظارها: “ليس لدي عمل لك، ولكن يمكنني أن أتزوجك إن أحببتِ”.
يستغل كثيرون من بعض الدول العربية حال اللاجئين البائس للضغط على أهل الفتيات السوريات لقاء دفع دولارات محددة لزواج متعة يدوم أياماً أو أقل.
ويعتبر زواج المسيار الذي يكون مؤقتاً في غالب الأحيان وسيلة لتفادي الثمن الباهظ للزواج وتجنب الوقوع في الزنا، وهو قانوني فقط في دول عربية قليلة، ويسمح للرجل والمرأة بأن تكون بينهما علاقة جنسية حتى وإن لم يعيشا في بيت واحد.
ويوافق بعض الآباء اللاجئين على زيجات مؤقتة من هذا النوع على أمل أن تؤدي في يوم ما إلى زواج طبيعي، غير أن النهايات لا تكون سعيدة في الواقع إذ إن الفتاة تذهب مع زوجها، وبعد بضعة أسابيع أو أشهر يمل الزوج من زوجته الصغيرة في السن ويعيدها إلى أهلها، ولا يمكن لأحد أن يفعل شيئاً حيال ذلك لأنه لم يتم تسجيل الزواج بشكل قانوني، لذا ليس للفتيات أو عائلاتهن سند قانوني. واللواتي يهجرهن أزواجهن بعد زواج المسيار يرجعنَ إلى أهلهنّ بثياب العار وقد يُجبرنَ على اللجوء إلى الدعارة من أجل العيش.
جريمة في حق الإنسانية
أثبتت الدراسات العلمية، أن زواج القاصرات قد يعرض الفتاة للإصابة بالعقم والإجهاض وتسمم الحمل وفقر الدم هذا بجانب احتمال تعرض الأطفال حديثي الولادة إلى الوفاة كما أكدت دراسة حديثة على ارتفاع عدد الوفيات ليسوا مكتملي النمو.
لذلك يعدُّ الزواج في تلك السن المبكرة ضاراً جداً بِصَحّة الأم بل والطفل أيضاً، حيث تزداد احتمالات تعرُّض الأم للإجهاض أو الولادة المبكرة وبالتالي يولد الطفل مبتثراً أي غير كامل النمو، ومن ناحية أخرى فإن الفتاة في تلك السن غير مكتملة النمو لكي تربي طفلاً صغيراً أو حتى تستطيع أن تتحمّل الحمل والولادة لذا فأنسب وأفضل سن يمكن أن تحمل المرأة به هو من 25 إلى 30 وذلك يمكنها تحمّل أعباء الحمل والزواج .
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث