الرئيسية / تحقيقات / الرشوة حل وحيد! شلل يطالُ معظمَ مؤسسات الدولة في حلب

الرشوة حل وحيد! شلل يطالُ معظمَ مؤسسات الدولة في حلب

ليليا نحاس
لطالما عانت المؤسسات والدوائر الحكومية في سوريا من الفساد والرشوة وانتشار المحسوبيات, حتى اعتاد المواطن السوري التعامل معها على مدى سنين طويلة.
اعتاد أيضاً سماع الخطب والشعارات الرنانة التي تعده باستمرار بمكافحة الفساد المالي والإداري وبعمل إداري فعالٍ، وخالٍ من الروتين والبيروقراطية، وسرعان ما تُرجمت هذه الوعود إلى مسلسلات فكاهية ساخرة ونكات سياسية متداولة بين الناس، ولم يتعدَّ تأثيرها أبعد من ذلك.
أما اليوم فيبحث المواطنون في حلب عن الموظف المرتشي في أية مؤسسة حكومية يتوجهون لها، والسبب هو أن تسيير معاملة أو الحصول على توقيع بالرشوة يبدو الخيار الأوحد لتسيير الأمور، الأضرار التي لحقت ببعض المؤسسات الحكومية في حلب نتيجة الحرب كالقصر العدلي ومبنى المالية أدت الى تلف وفقدان الكثير من الأوراق الثبوتية، وإلى خلل في اثبات الحقوق.
 بعض المؤسسات يصعب وصول المواطنين اليها دون أن يعرضوا أنفسهم لخطر القنّاص أو خطر استهدافها من الجيش الحر كالقصر البلدي والبريد والمشفى العسكري للتبرُّع بالدم والشرطة الجنائية ومبنى الهجرة والجوازات، ضعف التنسيق بين هذه المؤسسات وغيرها جعل تسيير معاملة واكتمال الأوراق المطلوبة لأية معاملة أمراً عسيراً وشبه مستحيل.
 يقول أحمد “طلب مني ورقة غير عامل لإكمال أوراقي الجامعية ورغم مخاطرتي وذهابي الى مبنى البريد الذي استهدف مراراً بقذائف الحر، لم أستطع الحصول على الورقة حتى بعد مرور شهر بحجة عطل الشبكة الداخلية ، المدة المحددة لتقديم الأوراق لم تتجاوز الأسبوعين أعتقد أنه ليس هناك نية للتعاون مع الناس وتسيير أمورهم كان الحل الوحيد أمامي هو الرشوة فاستطعت ب 500 ليرة أن أحصل عليها حتى دون وجود الشبكة”.
يعدُّ انقطاعُ خدمة الانترنت والكهرباء من أكبر المعوقات التي توقف سير العمل في هذه المؤسسات وقد تشلها كلياً، عانت مدينة حلب على مدى السنة الماضية من انقطاع متكرر لخدمة الانترنت الذي تبرره الحكومة أحياناً بأعطال تتسبب بها العصابات المسلحة، وأخرى بدواع أمنية.
 وتتوقف المصارف عن إخراج أو إدخال الأموال طوال فترة الانقطاع كما يتوقّف منح أية ورقة رسمية من دوائر الدولة كغير العامل وغير المحكوم  وجواز السفر وإخراج القيد، وتبقى مصالح المواطنين معلقة على أمل أن تعود شبكة الانترنت بين ساعة وأخرى.
 يقول سامر ” احتجت العديد من الأوراق لإتمام معاملة زواجي كإخراج القيد وغير محكوم لكنني لم أستطع الحصول على أيٍّ منها بسبب انقطاع الانترنت لأكثر من أسبوع، فاضطررت للسفر إلى محافظة اللاذقية والحصول عليهم من هناك، ثم عدت لإتمام معاملة الزواج “.
يرى بعض الناس أنَّ الموظّفين في المؤسسات الحكومية هم من المحظوظين لأنهم مازالوا يحصلون على راتب شهري في الوقت الذي فقد فيه معظم الناس أعمالهم في الشركات الخاصة بسبب التدهور الاقتصادي الذي أصاب المدينة، لكن الواقع مختلف نوعاً ما فقد فُصل الآلاف من الموظفين الحكوميين خلال السنة الفائتة في مدينة حلب.
 معظم المفصولين عن العمل هم من سكان المناطق المحررة والذين انقطعوا عن الدوام لفترة بسبب صعوبة الوصول الى عملهم، وتبعاً للأستاذ سالم  حتى الذين داوموا لم يسلموا من قرارات الفصل، ويقول “يقدّر عددُ الموظفين الذين فصلوا من العمل بأكثر من ألفي موظف في مدينة حلب وريفها, كانت قرارات الفصل تأتي لأحد سببين: إما التغيب عن العمل أو لدواع أمنية، قرارات الفصل طالت معظم الموظفين ذوي المنشأ الريفي بالرغم من استمرارهم في تأدية عملهم.
  والسبب هو الدواعي الأمنية، والحقيقة هي تمييز مناطقي لكونهم ذوي أصل ريفي من حيان أو عندان، وغيرها من المناطق التي يحقد عليها النظام” ويضيف الأستاذ سالم “كان لدينا الكثير من المعلمات من المحافظات الساحلية والذين عُينوا في مدارس ريف حلب، جميعهن انقطعن عن الدوام لكنهن يحصلن على الرواتب حتى دون أن ينتقلن للعمل في مدارس أخرى”
أكثر من ثلاثمئة موظف ينتظرون أمام الصرّاف الآلي لليوم الثالث على التوالي، ذلُّ الحصول على الراتب حكاية تتكرر مع بداية كل شهر, المصرف التجاري وهو المصرف السؤول عن صرف الرواتب لأكثر من نصف الموظفين يقع في منطقة مجاورة لساحة سعد الله الجابري ومكشوفة لعين القناص، مع هذا ليس لهؤلاء الموظفين خيار آخر سوى الانتظار في حضرة البرد والخطر والجوع أملاً في أن تعود شبكة الانترنت، ويحصلوا على الرواتب.
 يقول أبو أحمد وهو رجل في ستينيات العمر “أتيت لآخذ راتبي التقاعدي، نسكن في الأنصاري ولا يمكنني المخاطرة بأولادي الشباب للقدوم إلى هنا، أولادي خسروا منازلهم ومحلاتهم  التجارية ولم يتبقَّ سوى راتبي لشراء الطعام ومستلزمات الأطفال أبيت عند أقربائي لأيام لأحصل على راتبي، وأعود به إلى عائلتي في المناطق المحررة”.
لاتزال للعصابات الأمنية السلطة الأعلى في  مؤسسات الدولة ، وتعدُّ الأولويات الأمنية لإدارات هذه المؤسسات فرصة لا تعوّض للمتسلقين والمخبرين لممارسة سلطاتهم، يعمل جميع الموظفين في ظل تهديد دائم بالفصل عن العمل نتيجة تقرير أو وشاية أمنية قد تأتي من هنا أو هناك، يشتكي بعض الموظفين من حملة الشهادات العليا من تكليفهم بأعمال لا تليق أو تناسب مستوى تعليمهم وخبراتهم يقول الدكتور عطا الله “أنا طبيب واخصائي في الأمراض الداخلية وموظف لدى وزارة الصحة، كنت أعمل في الريف، ونقلت حديثا إلى دائرة داخل المدينة، وأكلف حالياً بتسوية أوراق الموظفين وتأمينهم الصحي، اعتراضي على طبيعة العمل ربما يكلفني الفصل، وأية تقرير أمني قد يكلفني حرماناَ من ممارسة المهنة”.
يذكر أنّ الخرّيجين الجُّدَدَ همُ الأقلُّ حظاً في الحصول على فرص جديدة للعمل في كلٍّ من الشركات الخاصة ووظائف الدولة، ما دفع الكثير من الشباب الخريجين للبحث عن لقمة عيشهم في ممارسة مهن بعيدة عن اختصاصاتهم أو السفر خارج البلاد، بينما تعدُّ خياراتُ الفتيات أضيقَ بكثير، فمعظمُهنَّ لا يمارسن إلا أعمال ربّات البيوت.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *