عبد القادر عبد اللي
لم تهدأ العاصفة السياسية التي اجتاحت تركيا بعد، واستمرت الليرة التركية بالهبوط، كما استمر ضغط السوريين بالارتفاع.
مع انخفاض بورصة اسطنبول بدأت بورصة التوقعات السياسية لما بعد أرضوغان ترتفع، وتتحدث التسريبات عن اتفاق بين حزب الشعب الجمهوري وفتح الله غولان يعمل بموجبه فتح الله على إيصال هذا الحزب إلى السلطة.
بالطبع مصادر هذا التوقّع قادمة من أوساط حزب الشعب الجمهوري التركي للتأثير على المترددين في الانتخابات المحلية القادمة، ومن المناهضين للثورات العربية بألوانهم كافة. ولكن هل يمكن أن تجتمع المتناقضات؟
المعروف أنه في السياسة ليس هناك عداوات دائمة، ولا صداقات دائمة، ويمكن لخصمين سياسيين أن يتفقا على برنامج معين يحفظ لكلّ منهما مصالحه، وبهذا لا يُستغرب عقد اتفاق كهذا بين تيارين متخاصمين تاريخياً، وقد شهد تاريخهما سابقاً تحالفاً كهذا عندما كان المرحوم بولند أجاويد يقود حزب الشعب الجمهوري، وشكّل حكومة ائتلافية مع حزب السلامة القومي بزعامة المرحوم نجم الدين أربكان عام 1972. ولكن لتلك الحكومات ظروفها الاستثنائية التي تفرضها. أهمها العداء للشيوعية الذي كان يشكل هاجساً مشتركاً للعلمانيين والإسلاميين. وتكررت التجربة في حكومات ائتلافية أخرى لم تكن غايتها سوى الخروج من الفراغ.
هل الظروف الآن مساعدة؟ يبدو الانقسام الأيديولوجي بين التيار المحافظ وحزب الشعب الجمهوري الذي يدعي العلمانية والاشتراكية الديمقراطية، ولا يجد له حلفاء علمانيون واشتراكيون في العالم (سوى علمانيي واشتراكيي الولي الفقيه) أمر في غاية الصعوبة. طبعاً لا يكفي تصوير حالة الانقسام لمنع هكذا تحالف. لابد من وجود سبب آخر، فهل هناك ما يمنع هذا التحالف حقيقة؟
ليس ثمة ثقة بين المحافظين وحزب الشعب الجمهوري، والمقصود بالمحافظين: “الإسلاميين الهادئين العاملين بصمت وعلى المدى الطويل جداً والذين يقودهم فتح الله غولان.” وعلى ماذا يمكن أن تبنى الثقة؟ يمكن ألا تكون الثقة قائمة بين تيار فتح الله غولان وكمال قلتشدار أوغلو شخصياً، ولكن ماذا لو عُقِدَ مؤتمر للحزب، وأزيح قلتشدار أوغلو، وجاءت مكانه شخصية أخرى معتدلة بموقفها من الإسلام السياسي؟ ألا يغيّر غولان موقفه من هذا الحزب، ويمكن أن يتحالف معه؟
ليس ثمة مؤشرات على هذا الأمر على المدى المنظور. صحيح أن هناك شخصية مصطفى صارِ غول، ولكن هذا الرجل أعلن ترشيحه رسمياً لرئاسة بلدية اسطنبول، ويعوّل حزبه عليه كثيراً بالنجاح هناك. وليس ثمة ما يشير إلى تغييرات كبرى في داخل الحزب في الأفق، وخاصة أن العدَّ العكسيَّ للانتخابات المحلية المقرر إجراؤها في الثامن والعشرين من آذار قد بدأ.
هنا يبرز سؤال هام، لو أراد فتح الله غولان إسقاط حكومة أرضوغان لما كلفه هذا كثيراً من الجهد، فهنالك الكثير من حزب العدالة والتنمية ينتمون لتياره، ويأتمرون بأمره. لماذا لم يفعل؟ ولماذا تلك الاستقالات الخجولة لشخصيات غير مؤثرة كثيراً في بنية حزب العدالة والتنمية فقط؟
في الحقيقة أن حزب العدالة والتنمية يشبه في بنيته حزب الوطن الأم في زمن الراحل طورغوت أوزال، فهو يجمع ثلاثة تيارات فكرية الأول: يمين الوسط التقليدي الذي يعتبر استمراراً للحزب الديمقراطي لمؤسسه عدنان مندريس، وحزب العدالة الذي جاء استمراراً له، والثاني: التيار الإسلامي المنشق من خط أربكان التقليدي وحمل لواء التجديد ومنه رئيس الحكومة رجب طيب أرضوغان وغالبية قيادات هذا الحزب. والثالث: المعتدلون من القوميين الأتراك الذين ينتمون بفكرهم إلى حزب الحركة القومية وخرجوا من هذا الحزب. وفي هذه البنيات من التيارات السياسية تلعب شخصية رئيس الحزب دوراً أساسياً بتماسك الحزب. وهذا ما فعله الراحل طورغوت أوزال، وسار على نهجه رجب طيب أرضوغان.
هذه البنية تجعل فتح الله غولان في مأزق كبير، فهو لا يريد أرضوغان الذي يحاول أن يحل محله، ولكنه يريد الحزب، وإذا أراد الحزب من دون أرضوغان فهنالك خطر تفتت الحزب، وهذا ما حدث بالضبط عند خروج طورغوت أوزال من حزب الوطن الأم، فعاد كل تيار إلى حزبه، وبات حزباً صغيراً ليس له وجود فعلي على أرض الواقع.
من جهة أخرى يَعِرف رجب طيب أرضوغان هذا الأمر جيداً، لذلك هو الوحيد الذي تجرأ على غولان، وحاول أن يغلق له واحداً من أهم مصادر التمويل في تركيا وهي مدارس الدورات الخاصة… ولعل هذا الأمر جعل فتح الله غولان لا يقدم على تفكيك الحزب، ويكتفي بهزة من هذا النوع بمثابة إنذار لرجب طيب أرضوغان لكي يتراجع عن هذه الخطوة.
إنه مأزق مزدوج للقطبين معاً، كلٌّ منهما يعرف نقطةَ ضعف الآخر، فإن أقدم غولان على تصفية أرضوغان فهناك خطر انهيار الحزب وتضرر مصالحه، وإذا ترك غولان أرضوغان فهناك خطر إضعاف غولان الذي له سلطة قوية جداً في بيروقراطية الدولة التركية عموماً من خلال تجفيف مصادر المال القادمة من مدارس الدورات الخاصة، وتبلغ مليارات سنوياً. ما هو المخرج إذاً؟
في السياسة ليس ثمة أزمة دون حل، خاصة في الدول المؤسساتية. ولكن من سيجترح هذا الحل، وكيف، وما هو؟ الاحتمالات كثيرة، وأضعفها وصول حزب الشعب الجمهوري إلى السلطة. لأن هذا الخيار يقضي على كل من أرضوغان وفتح الله غولان، وبمثابة انتحار..
ستقولون أين قضية الفساد من كل هذا؟ طبعاً القضية التي تسمى “فساد” هي قضية أخرى، هذه أيضاً إنذار ولكن من نوع آخر له علاقة بالممانعة، وهذا لنا فيه وقفة أخرى ستدهش المنحبكجية السوريين من الطرفين الأرضوغانيين والأسديين..
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث