بقلم
نبيل شبيب
“النظام
يتقدم”..
لا نغفل
عن السفيرة، ومن قبل القصير، إنما لا نغفل أيضا عن تقدم الجيش الحر خلال الفترة نفسها
في ريف حماة وفي درعا وفي دير الزور..
ولكن
نرصد تحولا ملحوظا في متابعة مسار الثورة الشعبية في سورية ما بين هذه المشاهد.
أصبحنا
نسمع باستمرار عن “تقدم النظام” ولا يرافق ذلك إلا “خبر مقتضب”
عن تقدم الجيش الحر هنا أو هناك، مقابل تفصيل مستفيض عن المشكلات التي يواجهها الجيش
الحر مع بعض التنظيمات الشاذة عن طريقه، وتقارير مستفيضة ومتوالية عن ألوان المعاناة
التي يكابدها أهلونا داخل الحدود وخارجها.
وما
بين هذا وذاك يتكرر ذكر “المخرج الوحيد!”: جنيف ٢.
“النظام
يتقدم”..
في نشرة
أخبار واحدة، نسمع خبرا يقول مثلا: استطاع الجيش الحر استعادة السيطرة على اللواء
٨٠ في حلب بعد اقتحام قوات النظام مدعومة من مرتزقة منظمة حزب الله وغيرهم بساعات معدودة..
ويقال
في النشرة نفسها: “النظام يتقدم”!..
أو نسمع:
استطاع الجيش الحر بسط سيطرته الكاملة على مخزن أسلحة في ريف حمص، يعدّ من أكبر مخازن
الأسلحة في سورية.
ويقال
في النشرة نفسها: “النظام يتقدم”!..
أو نسمع:
تم القضاء على قائد أمني أسدي في حي التضامن جنوب دمشق، يعتبر أعلى مسؤول أمني -أي
قمعي- تابع للنظام في المنطقة الجنوبية من العاصمة.
ويقال
في النشرة نفسها: “النظام يتقدم”!..
ما هو
الغرض من هذا الأسلوب في تغطية مسار الثورة؟..
لا أحد
يجهل أن بقايا النظام وحلفاءه ماضون إلى أقصى ما يملكون من همجية لاستعادة مواقع خسرها
أخطبوط القهر الاستبدادي الجاثم على صدر سورية وشعبها منذ نصف قرن.. ولكن هل تحقق أي
“تقدم استراتيجي حاسم” يبرر عبارة “النظام يتقدم”، ويلغي حقيقة
استمرار انحسار قهره المباشر عن أكثر من نصف أراضي الوطن خلال ٣١ شهرا من الثورة؟..
لا أحد
يجهل بما يوجد من مشكلات في صفوف المقاتلين من ثوار حقيقيين وأشباه ثوار، ولكن أين
الواقعية في تصوّر يتوهم أن جميع الثوار والمقاتلين وأفراد الشعب “ملائكة”
وليسوا بشرا، يخطئون ويصيبون، ويستقيمون وينحرفون، مع اليقين أن الحق لا بد أن يظهر
ويسود من قلب التضحيات والبطولات ومن قلب الوعي بما جرى ويجري على امتداد شهور المعاناة
التي يتحملها شعب سورية بصبر لا مثيل له، لأنه يعلم أنه لا بديل عن مسار الثورة سوى
انتصار الثورة.
علام
يغيب غيابا كاملا أو شبه كامل أي طرح موضوعي لحقيقة ما يجري، أي بحجمه ومفعوله وسعة
انتشاره كما ونوعا، وما يتوقع من خلال تقلبات مسار المواجهات الجارية، وعلام تغييب
كثير من الخبراء العسكريين عن مواكبة مجرى الأحداث والمواجهات، بينما نسمع ونشهد مرارا
وتكرارا لقطات متشابهة مثبتة، على حجم الهمجية الإجرامية وما تصنع، وعلى أشكال المعاناة
الإنسانية التي تدمي القلوب، أي على ما “يراد” بثه ونشره وزرعه في أعماق
النفوس كي نقول:
لا مناص
من جنيف ٢، ولا أمل في استمرار الثورة!!
لقد
انتشرت “أسطوانة النظام يتقدم” في وسائل الإعلام “الصديقة”، وعبر
كثير من الأقلام الفيسبوكية “النازفة”، جنبا إلى جنب مع الحملة السياسية
المتصاعدة منذ صفقة الكيمياوي، فأصبح كثير منا يساهم عن علم أو دون علم، في تمرير عملية
سياسية تآمرية دولية، تريد تحريك السياسيين، المترددين، خوفا من الشعب الثائر أو حرصا
صادقا على أهداف ثورته، كي يتجهوا زرافات ووحدانا، نحو “جنيف”، وهم يصورونه
وكأنه الهدف “الثوري” الأوحد، والترياق الشافي من المعاناة، وليجلسوا هناك
مع من يمثلون أكابر المجرمين، برعاية أكابر ساسة دوليين، على استعداد للتوافق مع المجرمين
وحلفائهم، عبر صفقات كيمياوية ونووية.
لماذا؟..
إنهم
يخشون سقوطهم فعلا، ليس بأشخاصهم بل ما تعنيه منظومة أخطبوطهم الاستبدادي الفاسد، في
سورية وأخواتها على السواء..
يخشون
سقوط سياسات التبعيات والمساومات، وسقوط التخلف والضعف والتجزئة..
يخشون
من أن تحكم الإرادة الشعبية الحرة فتصنع النهوض الحضاري بعد سقوط الأتباع وأشباه الأتباع
من صغار المستبدين والفاسدين المحليين!..
يجب
أن نكون على يقين مطلق، أن هذه الثورة انطلقت لتنتصر، ولتنتصر على جميع الأحوال، وأن
ما تواجهه من عقبات داخلية وخارجية، محلية ودولية، هو جزء من عملية صناعة الانتصار،
وأن ما يرافقها من حملات سياسية وإعلامية وجهود “صديقة” و”معادية”
يستهدف الحيلولة دون هذا الانتصار.
ويجب
إلى جانب التشبث بهذا اليقين:
أن نخرج
من معتقل مفعول التأثير السياسي والإعلامي الموجه.. فذاك هو الشرط الحاسم الأول من
أجل ما يجب صنعه:
أن نبصر
حقيقة المرحلة الآنية من مسار الثورة، كما هي دون تهويل ولا تهوين من شأن أي جزئية
من جزئياتها..
ولكن
ليس بروح الإحباط والتراجع، ولا بروح الهرولة نحو المقصلة في جنيف، فنشر هذه الروح
أخطر على مسار الثورة من صواريخ استبدادية همجية وسياسات دولية همجية..
بل بروح
تجمع ما بين ثبات الرؤية البعيدة المدى والأهداف القطعية للثورة وشعبها، وبين الرؤية
المرحلية المتجددة مع تقلب الأحداث اليومية، لنتعامل معها وفق معايير ثورية لا تتبدل،
ومعايير سياسية لا تتجاوز الخطوط الحمراء، ومع الاعتماد على الإنجازات الفعلية لترسيخ
الثقة بأنفسنا وببعضنا بعضا مع التواصل الدائم والمباشر لا السقوط في حمأة تبادل الاتهامات.
وإذا
وجدنا “إمكاناتنا” محدودة، وهي محدودة، فالجواب: حسن توظيفها وتنميتها، وليس
الموت عبر التراجع والتسليم، فالإمكانات المحدودة هي التي أطلقت الثورة التاريخية رغم
إحباط انتحاري على مدى ٥٠ سنة.
إن كل
قلم يهدم ويشكك، يساهم في تحقيق هدف من أهداف همجية “قمع الثورة” من حيث
يعلم صاحبه أو لا يعلم..
وكل
صوت يستعلي على من يواجه الاستبداد في ساحات المواجهة، يفصل نفسه بنفسه عن مسار الثورة،
ويساهم في تضييع مفعول أي نصيحة.. أو إرشاد.. أو مبادرة، للارتفاع بمستوى السياسيين
فوق بريق المناصب، وبمستوى الثوار فوق أوهام
أنانيات “امتلاك ناصية النصر”، فالنصر يبدأ بوصول الثائر والسياسي إلى مستوى
المواطن الذي يعاني ويدفع ثمن النصر أكثر من أي طرف آخر في مسار هذه الثورة التاريخية..
المنتصرة بعون الله.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث